سبعة أفلام ترسم أسئلة العالم العربي في «القاهرة السينمائي الـ 47»
الاستعمار والذاكرة والأمومة تتصدر مسابقة «آفاق السينما العربية»

«سينماتوغراف» ـ شادي جمال الدين
من جراح الماضي إلى اضطرابات الحاضر، ومن أسئلة الهوية والانتماء إلى تعقيدات العلاقات الإنسانية، تفتح السينما العربية نوافذ متعددة على مجتمعات تعيش تحولات عميقة، وتبحث عن إجابات لأسئلة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
وفي الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، تتجلى هذه الأسئلة في مجموعة من الأفلام التي لا تكتفي برصد الواقع، بل تحاول تفكيك جذوره الإنسانية والتاريخية، عبر حكايات شخصية تتقاطع فيها الذاكرة مع المصير الفردي والجماعي.
وتحتل السينما العربية موقعاً بارزاً في برنامج المهرجان، الذي يقام من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، مع حضور لافت لأفلام المنطقة في المسابقة الدولية ومسابقة «آفاق السينما العربية»، التي تواصل دورها منصةً لعرض تجارب تجمع بين المخرجين أصحاب الخبرة والأصوات الجديدة.
وتضم المسابقة الأخيرة سبعة أفلام من العراق والجزائر ولبنان وتونس والمغرب ومصر، إلى جانب إنتاج بلجيكي فرنسي، تتنوع بين الروائي والوثائقي، وتتناول موضوعات الحب وإرث الاستعمار والاحتجاجات السياسية والنزوح والأمومة والعلاقات الأسرية.
وتكتسب هذه المجموعة أهميتها من تعدد زوايا النظر إلى الواقع العربي، بعيداً عن محاولة اختزاله في هوية واحدة أو سردية موحدة.
فالأفلام السبعة تقدم عوالم مختلفة، لكنها تلتقي عند انشغالها بالإنسان في مواجهة ماضيه ومحيطه وتحولاته الاجتماعية والسياسية.
وتضم لجنة تحكيم المسابقة المخرج والكاتب المصري عمرو سلامة، والمخرجة الفلسطينية ليلى عباس، ومدير التصوير الروماني تيودور فلاديمير باندورو.

1 ـ «البصير».. حدود الرؤية واليقين
إخراج: علي طوفان الفتلاوي – العراق، قطر، سويسرا
في فضاء الأهوار العراقية، ينسج المخرج علي طوفان الفتلاوي حكاية إنسانية تتجاوز حدود الرومانسية التقليدية، من خلال شخصية «أيوب»، الملاح الكفيف الذي يعيش في عزلة، قبل أن تنقلب حياته مع وقوعه في حب امرأة غامضة تظهر في عالمه وكأنها خرجت من قلب المياه.
ومع تشكيك المحيطين به في وجود المرأة من الأساس، تتداخل الحقيقة بالخيال، ويجد البطل نفسه أمام أسئلة تتعلق بالإدراك والإيمان والوهم.
ويستثمر الفيلم الطبيعة الاستثنائية للأهوار بوصفها فضاءً بصرياً ودلالياً، لطرح سؤال أكثر عمقاً: هل تعني الرؤية بالضرورة امتلاك الحقيقة، أم أن ما لا تراه العين قد يكون أكثر حضوراً في الوجدان؟.

2 ـ «السماء والأرض».. ذاكرة استعمارية
إخراج: ميا بندريميا – الجزائر، فرنسا، قطر
تعود المخرجة ميا بندريميا إلى تاريخ عائلتها الممتد بين الجزائر وفرنسا، في رحلة وثائقية تبحث من خلالها في الآثار التي تركها الاستعمار على الروابط الأسرية، وما خلفه من صمت ومحرمات وذاكرة متنازع عليها.
ما يبدأ بمحاولة فهم ماضٍ عائلي غامض يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع تناقضات التاريخ الشخصي والجماعي.
فكلما اقتربت المخرجة من الإجابات، ظهرت أسئلة جديدة بشأن موقعها هي نفسها من هذا الإرث، وما إذا كان ممكناً إعادة بناء الذاكرة بعيداً عن الروايات التي تناقلتها الأجيال أو تعمدت إخفاءها.
ومن خلال تحويل التاريخ السياسي إلى تجربة عائلية حميمة، يطرح الفيلم الوثائقي الاستعمار باعتباره جرحاً ممتداً لا ينتهي بانتهاء زمنه، بل يواصل تشكيل العلاقات والهوية حتى الأجيال اللاحقة.

3 ـ «المراعي الصيفية».. وطن في المنفى
إخراج: نائل خليفي وليزا ديبوش – بلجيكا، فرنسا
في جبال الألب، تعيش «هناء»، وهي لبنانية تعمل راعية متدربة، حياة منعزلة اختارتها بعيداً عن ضجيج العالم وذكريات وطنها. غير أن وصول «ليزا» لمساعدتها في رعاية الحيوانات يخلخل هذا الاستقرار، ويفتح أمامها مساحة جديدة لمواجهة ماضيها.
ويستخدم المخرجان عزلة المكان وإيقاع الحياة الريفية الهادئ لاستكشاف مفاهيم النزوح والانتماء والهوية، من خلال علاقة تتطور بين امرأتين، وتكشف كيف يمكن للقاء عابر أن يعيد الإنسان إلى أسئلة ظن أنه تجاوزها.
ولا يتعامل الفيلم مع الوطن بوصفه مجرد مكان جغرافي، بل باعتباره ذاكرة وعلاقة معقدة لا تنقطع بالابتعاد، حتى عندما يصبح المنفى اختياراً شخصياً.

4 ـ «يوم الغضب: حكايات من طرابلس».. تاريخ الاحتجاج
إخراج: رانية الرافعي – لبنان، المملكة العربية السعودية، قطر
تضع المخرجة رانية الرافعي مدينة طرابلس اللبنانية في قلب قراءة وثائقية تمتد من أربعينيات القرن الماضي إلى الحاضر، متتبعة تاريخ الانتفاضات والتحولات السياسية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل هوية المدينة وسكانها.
ومن خلال الانتقال بين أجيال وتيارات سياسية مختلفة، يرصد الفيلم كيف تكررت موجات الاحتجاج والمقاومة، وما تركته من آثار في الذاكرة الجماعية والعلاقات بين أبناء المدينة.
ولا تقدم الرافعي طرابلس باعتبارها مجرد خلفية لأحداث التاريخ اللبناني، بل بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً يمتلك ذاكرته الخاصة وتناقضاته وتطلعاته. ويمنح هذا المنظور العمل بعداً يتجاوز حدود المدينة، ليربط تجربتها بأسئلة أوسع عن الاحتجاج والانتماء وإمكانات التغيير.
ويشهد الفيلم عرضه الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقدماً واحدة من أكثر المقاربات السياسية المباشرة ضمن أفلام المسابقة.

5 ـ «وراء الشمس».. أمومة تحت الاختبار
إخراج: عزيز شناوي – تونس، المملكة العربية السعودية
من خلال تجربة أم تونسية تعيش بمفردها مع طفلها، يقترب المخرج عزيز شناوي من تفاصيل يومية تتحول تدريجياً إلى اختبار قاسٍ لقدرة الإنسان على مواجهة ظروف خارجة عن إرادته.
تكتشف الأم أن طفلها يعاني حالة جلدية نادرة تمنعه من التعرض لأشعة الشمس، وهو تشخيص يعيد تشكيل حياة الأسرة بالكامل، ويضعها أمام مسؤوليات يومية متزايدة، تتداخل فيها الرعاية بالخوف والعزلة والقلق على المستقبل.
ويعرض الفيلم عالمياً للمرة الأولى في القاهرة، متناولاً الأمومة بعيداً عن صورتها المثالية، ومركزاً على ما تفرضه من تضحيات وضغوط نفسية وعاطفية. ومن خلال حكاية شديدة الخصوصية، يطرح شناوي سؤالاً إنسانياً أوسع عن قدرة الأمهات على حماية الأمل في ظروف تضيق فيها خيارات الحياة يوماً بعد آخر.

6 ـ «حتى الفجر».. ماضٍ يطارد الحاضر
إخراج: محمد زين الدين – المغرب، إيطاليا
في شوارع مدينة ساحلية خلال ساعات الليل، يتابع المخرج محمد زين الدين حياة «حميد»، الشاب الذي يعمل بائعاً للصحف، ويقضي لياليه وحيداً، محاصراً بذكريات وأحداث لم يستطع تجاوزها.
ومع عودة تفاصيل الماضي إلى الظهور، يبدأ البطل في إعادة تركيب الوقائع التي قادته إلى واقعه الحالي، في محاولة لفهم ما حدث ومواجهة آثار التجربة التي لا تزال تلاحقه.
ويمنح الإطار الليلي الفيلم إحساساً بالانتظار والقلق، حيث تبدو الشخصية عالقة بين ماضٍ لا تستطيع التحرر منه ومستقبل لا تملك تصوراً واضحاً له. ومن خلال هذه الرحلة الداخلية، يقترب العمل من إحباطات الشباب المغربي وهشاشة أحلامهم، وما تفرضه الظروف الاجتماعية والنفسية من عوائق أمام محاولات البدء من جديد.

7 ـ «بنتك».. الأمومة وأسئلة الماضي
إخراج: سارة الشاذلي – مصر، بلجيكا
تتجه المخرجة المصرية سارة الشاذلي إلى داخل تاريخ عائلتها، مستكشفة علاقتها المعقدة بوالدتها، ابنة شقيقة المخرج يوسف شاهين، وما تركته اختيارات الأم الحياتية والمهنية من آثار في طفولة ابنتها وتكوينها النفسي.
نشأت الشاذلي في بيئة سينمائية، وسط أم انشغلت بالتزاماتها المهنية، بينما تولت مربيات جانباً كبيراً من مسؤوليات رعايتها اليومية والعاطفية. ومع اقتراب المخرجة من تجربة الأمومة، تعود إلى تلك السنوات لتعيد النظر في خيارات والدتها، وما حققته من تحرر واستقلال، مقابل الفراغ العاطفي الذي شعرت به خلال نشأتها.
ويشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في القاهرة، مقدماً معالجة وثائقية شديدة الخصوصية تربط السيرة العائلية بأسئلة أوسع عن استقلال المرأة والأمومة والعلاقة بين الأجيال، وما يتركه الآباء والأمهات من إرث يتجاوز الممتلكات والذكريات إلى تشكيل الشخصية والمستقبل.
** سينما تبحث عن جذور الحاضر
تكشف أفلام «آفاق السينما العربية» السبعة عن تنوع التجارب التي تشغل السينمائيين في المنطقة، من الذاكرة الاستعمارية إلى الاحتجاج السياسي، ومن عزلة المنفى إلى تعقيدات العلاقات الأسرية، من دون أن تقع جميعها في أسر المعالجة المباشرة أو الشعارات الجاهزة.
واللافت أن عدداً من هذه الأعمال ينطلق من حكايات فردية شديدة الخصوصية، لكنه ينجح في فتحها على أسئلة جماعية تتصل بالهوية والحرية والانتماء والعدالة الاجتماعية.
وهنا تكمن قيمة هذه الاختيارات، فهي لا تقدم صورة مكتملة أو نهائية عن العالم العربي، بقدر ما تكشف تناقضاته وتحولاته من زوايا إنسانية متعددة.
وبينما تتباين الجغرافيا واللغات والخلفيات الإنتاجية، تلتقي الأفلام في انشغالها بالإنسان الذي يحاول فهم ماضيه والتصالح معه، أو التحرر من أثقاله.
وهي بذلك تؤكد أن قوة السينما العربية لا تكمن في تقديم رواية واحدة عن المنطقة، بل في قدرتها على منح أصواتها المختلفة مساحة للتعبير، وتحويل الحكايات المحلية إلى أسئلة إنسانية تتجاوز الحدود.






