مهرجانات

«دبي السينمائي» يعود .. هل تستعيد المدينة ذاكرتها؟

عشر سنوات من الغياب تفتح سؤالاً جديداً

«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل

في السينما، لا تكفي عودة الضوء إلى الشاشة لكي يستأنف الفيلم حكايته من حيث توقفت. أحياناً، يكون الغياب نفسه جزءاً من المعنى، وتصبح العودة امتحاناً أكثر صعوبة من البداية.

من هنا يمكن النظر إلى الإعلان عن عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي في ديسمبر 2027، بعد توقف امتد لنحو عشر سنوات، باعتباره أكثر من مجرد استئناف لحدث ثقافي كبير.

إنها محاولة لاستعادة ذاكرة سينمائية انقطعت، في وقت تغيرت فيه المنطقة، وتبدلت صناعة الأفلام، وتراجعت الحدود التقليدية بين المهرجان والسوق والمنصة الرقمية والجمهور.

يعود مهرجان دبي، الذي انطلقت دورته الأولى عام 2004، إلى المشهد السينمائي في لحظة مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها في سنواته الأولى. فالسينما العربية لم تعد تبحث فقط عن نافذة تطل منها على العالم، والعالم نفسه لم يعد ينتظر السينما العربية بالطريقة ذاتها.

خلال عقد واحد، ظهرت مهرجانات جديدة، وتوسعت منصات الإنتاج، وتغيرت خريطة التمويل، وصعدت أصوات شابة من المنطقة إلى أهم المحافل الدولية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس.. لماذا عاد مهرجان دبي؟، بل.. أي مهرجان سيعود؟.

 غياب لم يكن فراغاً

كان مهرجان دبي السينمائي الدولي، على مدى 14 دورة، واحداً من أهم المشاريع التي ساهمت في إعادة تعريف موقع السينما العربية داخل المشهد الدولي.

لم يكن مجرد مساحة لعرض الأفلام، بل نقطة التقاء بين صناع السينما العرب والنجوم العالميين والمنتجين والمؤسسات الثقافية.

في سنواته الأولى، لعب المهرجان دوراً يتجاوز البرمجة السينمائية. كان جزءاً من حركة ثقافية أوسع أرادت أن تقول إن الخليج ليس سوقاً للسينما فقط، بل يمكن أن يكون شريكاً في صناعتها وصياغة مستقبلها.

استضاف المهرجان أفلاماً عربية ودولية، وفتح أبوابه أمام المواهب الجديدة، ومنح السينما الإقليمية فرصة للظهور أمام جمهور عالمي.

والأهم أنه ساهم في خلق حالة من التوقع السنوي، ذلك الشعور الذي يجعل المهرجان موعداً منتظراً، لا مجرد فعالية مدرجة في أجندة ثقافية.

لكن توقفه في ديسمبر 2017 ترك فراغاً لم يكن من السهل تجاهله.

لم يكن الغياب متعلقاً بمهرجان واحد فحسب، بل بانقطاع إحدى المنصات التي اعتادت أن تمنح السينما العربية حضوراً دولياً منتظماً.

وفي السنوات التي تلت ذلك، واصلت أفلام المنطقة رحلتها عبر كان وفينيسيا وبرلين وتورونتو وغيرها، بينما ظهرت مراكز جديدة للإنتاج والدعم، وتغيرت خريطة السينما العربية بصورة لافتة.

اليوم، يعود مهرجان دبي إلى مشهد لم يعد كما كان.

العودة إلى زمن مختلف

أعلنت دبي أن الدورة الجديدة ستقام في 8 ديسمبر 2027، تحت مظلة دبي للإعلام، وبتركيز واضح على سينما الشرق الأوسط ومبدعيها.

الرسالة تبدو واضحة.. المهرجان يريد أن يبدأ من المنطقة.

لكن هذه البداية تحمل مفارقة مهمة. ففي عام 2004، كان تقديم السينما العربية إلى العالم أحد الأهداف الأساسية للمهرجان.

أما في 2027، فقد أصبحت السينما العربية موجودة بالفعل في قلب النقاشات الدولية، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات الإنتاج والتوزيع والوصول إلى الجمهور.

لم تعد المشكلة في إثبات وجودها، بل في ضمان استمرار هذا الوجود.

المخرجون الشباب الذين كانوا يبحثون عن تمويل قبل عقد من الزمن أصبحوا اليوم جزءاً من مشهد عالمي أكثر انفتاحاً.

وأفلام من فلسطين ولبنان ومصر والمغرب وتونس والعراق والسودان والسعودية والإمارات وغيرها أصبحت تحمل أسئلتها إلى المهرجانات الكبرى، وتفرض نفسها على النقاد والجمهور.

لكن النجاح الدولي لا يعني بالضرورة وجود بنية سينمائية مستدامة.

هنا تحديداً يمكن أن تستعيد دبي أحد أدوارها الأكثر أهمية، بناء الجسر بين الإبداع والسوق، وبين الفيلم ومشاهده، وبين الموهبة المحلية والفرصة الدولية.

 مهرجان أم مؤسسة سينمائية؟

التحدي الأكبر أمام عودة مهرجان دبي لن يكون في استقطاب النجوم أو الإعلان عن برنامج مزدحم بالأفلام، رغم أهمية ذلك جماهيرياً وإعلامياً. التحدي الحقيقي سيكون في تحديد هويته.

المهرجانات الكبرى في العالم لم تعد تقاس بعدد النجوم الذين يمشون على السجادة الحمراء، ولا بعدد الأفلام المعروضة وحده.

قيمة المهرجان تتشكل من قدرته على إنتاج نقاش سينمائي، واكتشاف المواهب، ودعم الأفلام، وتطوير الصناعة، وصناعة جمهور يعرف لماذا يشاهد الفيلم، لا فقط أين يشاهده.

وهذا ما تحتاجه عودة دبي تحديداً.

فالمهرجان الذي يكتفي بعرض أفلام ناجحة من مهرجانات أخرى سيجد نفسه ينافس منصات ومواعيد كثيرة.

أما المهرجان الذي يمتلك شخصية فنية واضحة، ويمنح السينما العربية مساحة للتجريب والمغامرة، ويخلق حواراً حقيقياً حول مستقبل الصورة في المنطقة، فسيكون قادراً على بناء موقع مختلف.

قد تكون عودة دبي فرصة لإعادة التفكير في مفهوم المهرجان نفسه.

هل هو منصة اكتشاف؟، أم سوق إنتاج؟، أم فضاء ثقافي؟، أم نافذة جماهيرية؟، الإجابة لا ينبغي أن تكون واحدة بالضرورة، لكن وضوح الأولويات سيحدد مستقبل التجربة.

السينما العربية تحتاج أكثر من منصة

شهد العقد الماضي ازدهاراً ملحوظاً في الإنتاج السينمائي العربي، لكن هذا الازدهار لم يحل جميع المشكلات.

لا تزال الأفلام المستقلة تواجه صعوبة في التمويل والتوزيع، ولا تزال المواهب الجديدة بحاجة إلى مساحات تطوير حقيقية، فيما يظل الوصول إلى الجمهور المحلي أحد أكبر التحديات أمام السينما الجادة.

لهذا، فإن التركيز على سينما الشرق الأوسط في الدورة الجديدة يحمل أهمية تتجاوز البعد الجغرافي.

المنطقة ليست كتلة سينمائية واحدة. لكل بلد تاريخ إنتاجي مختلف، ولكل مجتمع علاقته الخاصة بالصورة والذاكرة والسياسة والهوية.

السينما الفلسطينية، على سبيل المثال، تحمل أسئلة مختلفة عن السينما الخليجية، فيما تختلف تجارب المخرجين في مصر ولبنان والعراق والمغرب من حيث البنية الإنتاجية واللغة والأسلوب.

المهرجان الذي يريد تمثيل المنطقة عليه أن يمنح هذا التنوع حقه، لا أن يحوله إلى شعار عام.

وهنا تكمن قيمة البرمجة الفنية في القدرة على اكتشاف الأصوات المتباينة، لا جمعها تحت عنوان واحد.

ذاكرة المكان ومسؤولية المستقبل

كان دبي السينمائي جزءاً من ذاكرة جيل كامل من السينمائيين العرب. كثير من المخرجين الذين بدأوا رحلتهم في العقد الأول من الألفية وجدوا في المهرجان مساحة للتواصل والظهور والتعرف إلى منتجين ونقاد ومؤسسات دولية.

عودة المهرجان تمنح هؤلاء فرصة استعادة المكان، لكنها في الوقت نفسه تضع على عاتقه مسؤولية تجاه جيل جديد لم يعش التجربة الأولى بالضرورة.

وهذا ربما هو المعنى الأهم للعودة.

المهرجان لا يعود فقط إلى جمهوره القديم، بل عليه أن يصنع جمهوره الجديد. جمهور شاب يعيش وسط وفرة هائلة من المحتوى، ويشاهد الأفلام عبر شاشات متعددة، ويحتاج إلى سبب مقنع للذهاب إلى قاعة سينما أو مهرجان.

السينما هنا لا تنافس فقط على وقت المشاهدة، بل على الذاكرة.

والمهرجان الناجح هو الذي يستطيع أن يجعل الفيلم حدثاً ثقافياً لا ينتهي بانتهاء العرض.

 ديسمبر 2027 .. موعد لاستعادة الثقة

من المنتظر أن تحمل الدورة الخامسة عشرة تفاصيل جديدة بشأن الإدارة الفنية والبرامج والمسابقات والفعاليات المهنية. لكن الأهم من كل هذه التفاصيل سيكون ما تقوله الدورة عن شخصية المهرجان.

هل يعود مهرجان دبي بوصفه امتداداً لتاريخه السابق، أم بوصفه مشروعاً جديداً يستفيد من ذلك التاريخ دون أن يعيش أسيراً له؟

الفرق بين الخيارين كبير.

فالحنين وحده لا يصنع مهرجاناً. استعادة الصور القديمة والنجوم السابقين قد تمنح المناسبة وهجاً إعلامياً، لكنها لا تضمن استمرارها. ما يصنع المهرجان هو قدرته على طرح الأسئلة التي يحتاجها زمنه.

وفي زمن أصبحت فيه السينما العربية أكثر حضوراً، وأكثر تنوعاً، وأكثر ارتباطاً بالتحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية، ربما تكون مهمة مهرجان دبي الجديدة هي أن يكون مساحة لهذا التعدد.

ليس مطلوباً منه أن يعيد الماضي كما كان.

المطلوب أن يفهم لماذا كان الماضي مهماً، ثم يقرر ماذا يمكن أن يفعل بالمستقبل.

حين تعود الشاشة إلى الضوء

بعد عشر سنوات من الغياب، تستعيد دبي موعداً سينمائياً كان يوماً واحداً من علامات المشهد الثقافي العربي.

لكن قيمة العودة لن تتحدد فقط بتاريخ الانطلاق أو عدد الأفلام أو أسماء المشاركين. ستتحدد بما إذا كان المهرجان قادراً على استعادة العلاقة بين السينما والجمهور، وبين الموهبة والمنصة، وبين الفيلم العربي والعالم.

في النهاية، لا تحتاج السينما العربية إلى مهرجان آخر يضيف اسماً جديداً إلى القائمة، بقدر ما تحتاج إلى مهرجان يمتلك رؤية.

وإذا نجح مهرجان دبي في العثور على هذه الرؤية، فقد لا تكون عودته مجرد استعادة لحدث غائب، بل بداية فصل جديد في تاريخ السينما العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى