«15/18».. صرخة مراهقين في «مسابقة فينيسيا»
الفرنسي سيدريك خان يصنع من الألم دراما نابضة

فينيسيا ـ خاص «سينماتوغراف»
يقترب المخرج الفرنسي سيدريك خان في فيلمه الجديد «15/18 (مكان للشفاء)» من عالم شديد الحساسية، جناح للطب النفسي يضم مراهقين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً، يحمل كل منهم قصة مختلفة من الألم والاضطراب والعنف.
لكن خان لا يقدم هذه البيئة باعتبارها مساحة قاتمة مغلقة على اليأس، بل يحولها إلى عالم نابض بالتوتر والفوضى والسخرية، تتسلل إليه لحظات نادرة من الحنان والأمل.
الفيلم، الذي ينافس في المسابقة الرسمية للدورة 83 لمهرجان فينيسيا السينمائي، ينتمي إلى موجة سينمائية متزايدة تقترب من أزمات الصحة النفسية لدى الشباب، وتطرح أسئلة صعبة حول قدرة المؤسسات العامة على التعامل مع المراهقين الأكثر هشاشة.
وعلى الرغم من أن أعمالاً حديثة مثل «ستيف» عادت إلى تسعينيات القرن الماضي لتصوير أزمات الرعاية الاجتماعية، فإن خان ينقل السؤال إلى الحاضر، حيث لا تزال أزمة الموارد ونقص الموظفين والتعامل مع الشباب المضطربين حاضرة بقوة.
لكن «15/18» يختلف عن كثير من الأفلام التي تناولت هذا الموضوع؛ إذ لا يكتفي بتشخيص الخلل، بل يبحث عن الجانب الإنساني المختبئ خلفه.
واقعية قاسية وكوميديا غير متوقعة
ليس سيدريك خان غريباً عن الموضوعات الثقيلة. فقد تناول تعاطي المخدرات في «الصلاة»، واختطاف الأطفال في «الحياة البرية»، وواجه قضايا معقدة حول معاداة السامية والنظام القضائي في «قضية غولدمان». غير أن «15/18» يمثل تحولاً لافتاً في أسلوبه.
هنا تتراجع الواقعية الصارمة التي ميزت أفلامه السابقة، لتحل محلها نبرة أكثر خفة وحيوية، من دون أن يفقد الفيلم حساسيته تجاه موضوعه.
فالضحك لا يأتي على حساب الشخصيات، والسخرية لا تتحول إلى استهزاء بآلامها، بل تصبح وسيلة لفهم عالم شديد القسوة.

تبدأ الحكاية مع لوسيا، البالغة 17 عاماً، التي تعود إلى الجناح بعد هروبها إلى بلجيكا. تظهر في اللقطة الأولى وهي تُسحب عبر بوابة الأمن، قبل أن تكشف سريعاً أنها تعرف المكان جيداً.
تمزح مع الممرضات حول ملابسها التي تشبه زي الهروب من السجن، وتتبادل النكات مع المرضى الآخرين حول أوضاعهم.
داخل الجناح يعيش 12 مراهقاً، لكل منهم أزمته الخاصة، من اضطرابات الأكل والعنف المنزلي إلى الاستغلال الجنسي في سن مبكرة، واضطرابات الهوية، والأفكار الانتحارية والفصام، ومع ذلك، يرفض الفيلم اختزال هؤلاء الشباب في تشخيصاتهم الطبية.
منذ المشهد الأول وحتى النهاية، لا تغادر الكاميرا جدران الجناح تقريباً. حتى النافذة التي يتطلع منها المراهقون إلى الخارج تتحول إلى رمز لحياة أخرى تبدو قريبة ومستحيلة في آن واحد.
وبين المراقبة المستمرة والتقييمات النفسية التي تشبه أحياناً استجوابات الشرطة، يبدو المكان أقرب إلى سجن منه إلى مؤسسة للعلاج.
ويؤدي خان نفسه دور إتيان، المسؤول عن الفريق الطبي، الذي يبدو صارماً في الظاهر، لكنه يخفي قدراً واضحاً من التعاطف.
أما الفريق المكون من 12 شخصاً، فيجد نفسه أمام مهمة شاقة، محاولة احتواء مجموعة من الشباب في مرحلة عمرية مضطربة، وسط موارد محدودة وضغوط لا تتوقف.
لوسيا ليست الحكاية الوحيدة
تبدو لوسيا في البداية محور الفيلم، خصوصاً أن تفاصيل هروبها الغامضة تظل معلقة فوق الأحداث. لكن خان يتخذ قراراً درامياً جريئاً بتوسيع مركز الثقل تدريجياً نحو إيلويز، صديقتها المقربة.

تتغير المعادلة مع وصول إنزو، المراهق الجديد المتغطرس والقوي، الذي يهدد التوازن الهش داخل الجناح.
وجوده يشعل سلسلة من الصدامات ويضع الصداقة بين لوسيا وإيلويز تحت الاختبار، في وقت يبدو فيه النظام الداخلي للمكان معلقاً بخيط رفيع بين الانضباط والفوضى.
وتكشف هذه العلاقات عن أحد أهم عناصر قوة الفيلم، قدرته على التعامل مع الشخصيات بوصفها بشراً قبل أن تكون حالات مرضية.
يبدو ذلك واضحاً خصوصاً في القصص النسائية داخل الجناح. ففي أحد أكثر المشاهد تأثيراً، تحاول شارلين، المصابة بالاكتئاب، أن تشرح للأطباء ما تعيشه، لكن صوتها يضيع وسط شجار والديها المنفصلين خلال جلسة العلاج.
أما إيلويز فتحمل سراً شخصياً عميقاً، يصبح مفتاحاً في رحلتها نحو التصالح مع نفسها. تستطيع الإفصاح عنه لأحد أفراد الطاقم، لكنها تعجز عن مشاركته مع عائلتها.

هذه التفاصيل تمنح الفيلم بعداً يتجاوز المرض النفسي نفسه. فالمشكلة لا تكمن في المراهقين وحدهم، بل في شبكة واسعة من الظروف المحيطة بهم، نقص التدريب، محدودية الموارد، اضطراب العلاقات الأسرية، وعجز المؤسسات أحياناً عن الاستماع فعلياً إلى من يفترض أن تساعدهم.
ومع ذلك، لا يقدم خان إجابات سهلة أو أحكاماً نهائية. إنه يوزع المسؤولية بين الجميع، ويمنح حتى الشخصيات الهامشية قدراً من التعاطف والحق في الخطأ.
بين الجرأة والاستغلال
كان من السهل على فيلم يتناول هذه القضايا أن يقع في فخ استغلال الصدمة، خصوصاً مع وجود موضوعات مثل الانتحار والعنف والاضطرابات النفسية والاستغلال الجنسي. لكن «15/18» ينجح في معظم الوقت في الحفاظ على توازن دقيق بين الجرأة والحساسية.
هناك لحظات يتجاوز فيها الفيلم أحياناً الخط الفاصل نحو مناطق غير مريحة، ولا تضيف بعض هذه اللحظات الكثير إلى مسار الحكاية. إلا أن ذلك لا يبدد أثر العمل، الذي ينجح في تحويل مكان مغلق ومحدود إلى مساحة درامية غنية بالصراعات والمفارقات.

في النهاية، لا يقدم «15/18 (مكان للشفاء)» جناح الطب النفسي باعتباره مكاناً للشفاء بالمعنى التقليدي فقط، بل باعتباره مساحة يتعلم فيها هؤلاء المراهقون كيف يعيشون مع جراحهم، وكيف يمكن للآخرين أن يروا فيهم أكثر من مجرد «حالات» تحتاج إلى العلاج.






