مراجعات فيلمية

«إنك» .. قصة «ذا صن» التي غيّرت قواعد الصحافة

فيلم داني بويل يقدم دراما قوية بأداءات لافتة

فينيسيا ـ خاص «سينماتوغراف»

لا يتعامل داني بويل في «إنك، Ink ـ حبر» مع صعود روبرت مردوخ بوصفه حكاية نجاح إعلامي فحسب، وإنما يضع المشاهد أمام اللحظة التي بدأ فيها النجاح المهني ينفصل تدريجياً عن المسؤولية الأخلاقية.

ومن خلال إعادة بناء السنوات الأولى لصحيفة «ذا صن» عام 1969، يقدم الفيلم قراءة في الآلية التي يمكن أن تتحول بها الصحافة من أداة لنقل المعلومات إلى قوة تصنع اهتمام الجمهور، ثم تعيد تشكيله وفقاً لمصالحها.

الفيلم، المقتبس من مسرحية جيمس غراهام، يواجه منذ بدايته تحدياً معروفاً في الأعمال المأخوذة عن المسرح، كيف تنقل مساحة الحوار المغلقة إلى لغة سينمائية لا تفقدها كثافتها؟، وهنا يحاول بويل أن يخلق حركة مستمرة داخل المشاهد، من خلال زوايا تصوير غير مستقرة، ومونتاج سريع، وانتقالات بصرية تستهدف إبقاء التوتر حاضراً حتى عندما تكون المواجهة الأساسية بين شخصيات تجلس وتتحدث.

في الدقائق الأولى، تبدو اللغة البصرية أحياناً وكأنها تبالغ في إثبات سينمائية الفيلم، وكأن المخرج يريد أن يحرره بسرعة من جذوره المسرحية.

غير أن هذه النزعة تهدأ تدريجياً، ويصبح بويل أكثر ثقة في قوة الحوار نفسه، فتتراجع الحاجة إلى الاستعراض البصري لصالح بناء الشخصيات والصراعات.

وهذه النقلة مهمة، لأن أفضل لحظات «إنك» لا تأتي من حركة الكاميرا، وإنما من المواجهات البشرية داخل غرفة الأخبار.

ويبرز خصوصاً المشهد الذي يجمع لامب بفريق الصحيفة لمناقشة ما ينبغي تغطيته، إذ يتحول الاجتماع إلى صورة مصغرة عن التحول الذي سيصيب الصحافة كلها.

المشهد لا يشرح الفكرة مباشرة، بل يجسدها. مجموعة من الصحفيين تتحدث عن الجمهور وما يريده، بينما تتداخل الرغبة في زيادة المبيعات مع الرغبة في صناعة تأثير حقيقي. ومن ثم يبدأ الفيلم في طرح سؤاله الأساسي .. هل الصحافة موجودة لخدمة الحقيقة، أم لخدمة ما يريد الجمهور قراءته؟

جدل أخلاقي

يقوم الصراع الرئيسي على شخصية لاري لامب، الذي يؤديه جاك أوكونيل بوصفه رجلاً يمتلك الطموح والذكاء والإصرار، لكنه يكتشف تدريجياً أن الطريق الأسرع إلى النجاح يمر عبر الإثارة.

ما يبدأ كاستراتيجية لرفع مبيعات الصحيفة يتحول إلى فلسفة تحريرية كاملة. الشائعات والجنس والعناوين المثيرة لا تعود مجرد أدوات لجذب الانتباه، بل تصبح جزءاً من إعادة تعريف معنى الخبر نفسه.

وهنا ينجح الفيلم في ربط الماضي بالحاضر من دون حاجة إلى خطاب مباشر. فالمشكلة التي يناقشها «إنك» ليست فقط ما حدث في صحيفة بريطانية قبل أكثر من نصف قرن، وإنما الكيفية التي يمكن بها لمعادلة بسيطة ــ جذب العين أولاً ثم التفكير لاحقاً ــ أن تتحول إلى نظام إعلامي كامل.

الأكثر أهمية أن الفيلم لا يقدم هذا التحول باعتباره نتيجة شخصية شريرة واحدة، بل نتيجة مجموعة من القرارات الصغيرة التي تبدو في لحظتها منطقية، ثم تتراكم حتى يصبح التراجع مستحيلاً.

نجاح أوكونيل

يقدم جاك أوكونيل أحد أقوى أداءات الفيلم في شخصية لامب، خصوصاً في تعبيراته الداخلية التي تسبق انفجاراته الخارجية. فالشخصية لا تعتمد على الشر المباشر، بل على مزيج من الجوع إلى النجاح والإحساس بالدونية والرغبة في إثبات الذات.

وعندما يتعرض لامب للإهانة أو السخرية، ينجح أوكونيل في جعل الغضب يبدو وكأنه يتكون ببطء تحت الجلد، وهذه القدرة على التحكم في الانفعال تجعل الشخصية أكثر خطورة، لأن المشاهد لا يرى الشر بوصفه قراراً واضحاً، وإنما بوصفه عملية تشكل.

ومع تصاعد الأحداث، يتحول لامب من رجل يريد إنجاح الصحيفة إلى رجل مستعد لتجاوز حدودها الأخلاقية. وفي هذه المنطقة تحديداً يقدم أوكونيل شخصية لا تحتاج إلى خطاب طويل كي تكشف فسادها؛ يكفي أن نراقب كيف تتغير علاقتها بالآخرين.

الحضور الأخطر

في المقابل، يمنح غاي بيرس شخصية روبرت مردوخ طاقة مختلفة تماماً. فهو لا يلعب الرجل باعتباره وحشاً أو ديكتاتوراً منذ ظهوره، وإنما باعتباره شخصية تمتلك كاريزما واضحة وقدرة على قراءة الآخرين واستثمار نقاط ضعفهم.

لهجته الأسترالية الحادة، وطريقة حديثه، وحضوره في المشاهد الجماعية، كلها تجعل مردوخ شخصية جذابة قبل أن تكشف عن الجانب الأكثر براغماتية فيها.

والأذكى في أداء بيرس أن مردوخ لا يحتاج دائماً إلى السيطرة المباشرة. أحياناً تكفي نظرة أو جملة قصيرة كي يدرك المشاهد أن هذه الشخصية تعرف إلى أين تريد الوصول.

العلاقة بين مردوخ ولامب هي أفضل عناصر الفيلم الدرامية؛ فهما متشابهان في الطموح، مختلفان في الوسائل، ثم يبدأ التشابه نفسه في التحول إلى منافسة. أحدهما يمتلك رأس المال والنفوذ، والآخر يمتلك القدرة على تحويل هذا النفوذ إلى مادة تبيع.

خارج الصراع

تؤدي كلير فوي شخصية جولز ديفيز بحضور هادئ، وتضيف إلى غرفة الأخبار منظوراً مختلفاً، لكن الفيلم لا يمنح الشخصية المساحة نفسها التي يمنحها للرجلين الرئيسيين.

وهذه من نقاط ضعف السيناريو، لأن الشخصية تبدو في بعض مراحلها أقرب إلى وظيفة درامية منها إلى شخصية مكتملة.

ورغم أن فوي تبذل ما تستطيع لتمنحها عمقاً وحضوراً، فإن الكتابة لا تسمح لها دائماً بالدخول الحقيقي إلى قلب الصراع.

ويبدو ذلك أكثر وضوحاً لأن الفيلم يتناول قضية تتعلق بتغير الثقافة الصحافية، وكان من الممكن لتجربتها أن تصبح مدخلاً أوسع إلى الأسئلة المتعلقة بالنوع الاجتماعي وطبيعة السلطة داخل المؤسسات الإعلامية.

مصنع الأخبار

أحد أكثر اختيارات الفيلم نجاحاً يتمثل في الطريقة التي يصور بها بيئة الصحيفة نفسها. المكاتب والمطابع والشاشات والأصوات لا تعمل كخلفية للأحداث، وإنما تصبح جزءاً من معنى الفيلم.

هناك إحساس دائم بأننا داخل مصنع ينتج شيئاً أكثر تأثيراً من الورق والحبر، ينتج الرغبات والمخاوف والفضول.

ولهذا تبدو مشاهد المطبعة ذات أهمية خاصة، فالصحيفة هنا ليست فكرة مجردة، وإنما صناعة لها رائحة وضجيج وحرارة وأوساخ.

ويستفيد الفيلم من هذا البعد الحسي ليضع في مواجهة مباشرة بين الصورة البراقة للنجاح والفساد المختبئ خلفها.

تراجع الإيقاع

ورغم هذه القوة، لا يحافظ الفيلم دائماً على المستوى نفسه من الإيقاع.

ففي النصف الثاني، يبدأ السيناريو في شرح بعض دوافع الشخصيات بدلاً من تركها تتكشف من خلال سلوكها.

وبعد بداية قوية تتميز بالصراع والحركة والاكتشاف، يصبح السرد أكثر مباشرة، وتتراجع بعض المفاجآت الدرامية لصالح تأكيد الأفكار التي سبق أن فهمها المشاهد.

كما أن مسار الاختطاف يمنح القصة منعطفاً مهماً، لكنه لا يُستثمر دائماً بأفضل صورة، إذ يبدو أحياناً وسيلة لدفع لامب ومردوخ إلى مواجهة أخلاقية كان الفيلم قد بدأ في بنائها منذ وقت مبكر.

الماضي يشبه حاضرنا

القيمة الحقيقية لـ«إنك» تكمن في أن موضوعه يتجاوز سيرة مردوخ أو تاريخ «ذا صن».

إنه فيلم عن اللحظة التي اكتشف فيها الإعلام أن الاهتمام يمكن أن يصبح سلعة، وأن الخبر الأكثر إثارة قد يتفوق على الخبر الأكثر أهمية.

وهنا تبدو أسئلة الفيلم شديدة الراهنية. فالمعادلة التي يبدأ بها لامب ــ ماذا يريد الناس أن يقرأوا؟ ــ تحمل في داخلها بذور منظومة إعلامية كاملة، يصبح فيها النجاح مرتبطاً بقدرة المؤسسة على جذب الجمهور بأي ثمن.

لكن الفيلم لا يقدم مردوخ ولامب باعتبارهما مصدر الشر المطلق، وهذه نقطة تحسب له. بل يحاول أن يفهم كيف يمكن للطموح والفرص التجارية والمنافسة أن تنتج منظومة تتجاوز أصحابها في النهاية.

ومن ثم فإن أهم ما ينجح فيه «إنك» هو تحويل نشأة صحيفة إلى قصة عن صناعة النفوذ نفسه.

وبينما يتتبع ولادة نموذج جديد في الصحافة الشعبية، يترك المشاهد أمام سؤال أكثر اتساعاً، عندما تتحول الأخبار إلى سلعة، من الذي يملك في النهاية سلطة تحديد ما يستحق أن يعرفه الناس؟.

وهذه هي قوة الفيلم الأساسية؛ فهو لا يحاكم الماضي فقط، بل يجعل الحاضر يبدو وكأنه امتداد طبيعي له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى