مراجعات فيلمية

«بيت الريح» .. أمّ تنتظر أبناءها في «آفاق فينيسيا»

مخرج كاميروني يرصد بكاميرته امرأة يعرفها

فينيسيا ـ خاص «سينماتوغراف»

في فيلمه الروائي الطويل الأول، يعود المخرج الكاميروني أوغست برنارد كويمو يانغهو إلى ياوندي، لا بحثاً عن صورة نمطية لأفريقيا ولا عن دراما عائلية مصطنعة، وإنما للاقتراب من امرأة يعرفها جيداً والدته جوزيت.

ومن خلال حكايتها، يصنع «بيت الريح ـ House of the Wind» فيلماً هادئاً عن الوحدة والهجرة والعائلة، وعن المسافة التي يمكن أن يصنعها الرحيل بين الأبناء وبيوتهم الأولى.

الفيلم، المشارك في مسابقة «أوريزونتي» ضمن الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي، يلفت الانتباه بتواضعه أكثر مما يفعل بالاستعراض.

فالمخرج يتجنب المبالغة العاطفية والسياحة البصرية التي تقع فيها بعض أفلام السينما العالمية عندما تتناول أفريقيا، ويمنح مدينته وشخصياته فرصة لأن تظهر كما هي، شوارع مزدحمة، أمطار غزيرة، سيارات أجرة نارية، منازل هادئة، وأيام تتكرر بإيقاع بطيء.

في قلب الحكاية تقف جوزيت، امرأة سبعينية تعيش وحدها في منزل كبير بمدينة ياوندي، بعدما انتقل أبناؤها الستة إلى أوروبا.

تتواصل معهم عبر مكالمات الفيديو، وتسمع منهم الوعود المعتادة بالعودة، لكنها تعرف في أعماقها أن الحياة في الخارج تجعل ذلك أكثر صعوبة.

لا تريد جوزيت مغادرة الكاميرون، رغم إلحاح أبنائها، ولا تطلب الكثير سوى أن يعودوا إليها.

وبين انتظار الزيارات المؤجلة ومواجهة تفاصيل الحياة اليومية، تنشغل بمشروع بناء منزل لابنها بينوا، الذي يساعدها في تمويله من خلال التحويلات المالية.

لكن مشروع المنزل يفتح أمامها أبواباً جديدة من المتاعب. الأوراق والإجراءات البيروقراطية تتعقد، ثم تفقد هويتها، لتجد نفسها في مواجهة عالم إداري لا يترك مساحة كبيرة للضعف أو التقدم في العمر.

 لقاء غير متوقع

في هذه المرحلة تدخل سارة، شابة تساعد جوزيت في بعض شؤونها، قبل أن تطلب منها خدمة تبدو غريبة، أن تتظاهر بأنها والدتها أمام خطيبها الفرنسي أدريان، الذي يستعد لزيارتها في الكاميرون.

تتردد جوزيت، فهي امرأة لا تحب الغرباء في منزلها، ولا ترى سبباً لتورطها في علاقة الآخرين. لكن الطلب الغريب يصبح نقطة التحول الأساسية في الفيلم، إذ يقرب بين امرأتين تبدوان في البداية على طرفي نقيض.

سارة تعاني بدورها من علاقة متوترة مع والديها، بينما جوزيت تعيش غياب أبنائها، ومع مرور الوقت، تتشكل بينهما علاقة تتجاوز الصداقة، لتصبح أشبه بعائلة بديلة، تمنح كل واحدة منهما شيئاً تفتقده في حياتها.

هنا تحديداً يكشف الفيلم عن أحد أجمل عناصره، قدرته على الحديث عن العائلة من دون أن يحصرها في روابط الدم.

فالأمومة، كما يقدمها خانغو يانغهو، ليست دائماً علاقة مستقرة بين الآباء والأبناء، وإنما يمكن أن تظهر أيضاً في علاقات عابرة تنشأ من الحاجة إلى الآخر.

ولا يرسم المخرج والدته باعتبارها امرأة مثالية تستحق التعاطف لمجرد أنها وحيدة. جوزيت شخصية قوية، حادة المزاج، عنيدة، وجافة أحياناً، وتخفي خلف صرامتها حزناً عميقاً، وهذه التفاصيل تحديداً تمنحها حضوراً حقيقياً، بعيداً عن الصورة العاطفية المبالغ فيها للأم المسنة.

في المقابل، تبدو سارة أكثر دفئاً وليونة، لكن علاقتها بوالديها تكشف أن الشباب أيضاً يحملون جروحهم الخاصة.

ومن خلال التباين بين الشخصيتين، يفتح الفيلم سؤالاً أوسع حول الأجيال الكاميرونية الشابة: هل يكون المستقبل في الرحيل إلى أوروبا، أم في العودة إلى الوطن؟.

 كاميرا بلا استعراض

يختار كويمو يانغهو أسلوباً بصرياً شديد الهدوء، ينسجم مع إيقاع حياة جوزيت. لا تتعجل الكاميرا الأحداث، ولا تحاول تحويل ياوندي إلى خلفية سياحية. بدلاً من ذلك، تصبح المدينة جزءاً من التجربة الإنسانية للشخصيات.

الأمطار، الشوارع، المنزل، الشرفة، مكالمات الفيديو، واللحظات الطويلة من الصمت، كلها تتضافر لصناعة إحساس بالزمن المعلق، زمن امرأة تنتظر أبناءها، وأبناء يعيشون في مكان آخر، وحياة تمضي رغم أن أحداً لا يريد الاعتراف بسرعة مرورها.

وهذا الجانب يمنح «بيت الريح» نبرة شبه وثائقية. فالفيلم لا يفرض على شخصياته خطابات كبيرة، بل يترك التفاصيل الصغيرة تتحدث. مكالمة هاتفية قصيرة قد تكشف عن علاقة كاملة، وجملة عابرة عن العودة قد تختصر سنوات من الانتظار.

ورغم أن القصة ليست سيرة ذاتية حرفية، فإن حضور والدة المخرج الحقيقي يمنح الفيلم مستوى إضافياً من الصدق.

فجوزيت تحمل اسمها الحقيقي، وتعيش بالفعل في ياوندي، بينما يعيش أبناؤها في أوروبا، ومن هذه الحقيقة ينطلق المخرج ليصنع مساحة تخييلية تسمح له، في الوقت نفسه، بالاقتراب منها.

بهذا المعنى، يصبح الفيلم أكثر من عمل عن أم وأبنائها، إنه أيضاً محاولة من ابن عاش نحو عقدين في فرنسا للعودة إلى المكان الذي نشأ فيه، وإلى المرأة التي بقيت هناك.

 دعم عربي لافت

يحظى «بيت الريح» أيضاً بحضور لافت في منظومة الإنتاج السينمائي الداعمة للفيلم، إذ شارك صندوق البحر الأحمر التابع لمؤسسة البحر الأحمر السينمائية في دعم العمل، إلى جانب «معهد الدوحة للأفلام».

ويأتي هذا الدعم ضمن حضور متزايد للمؤسسة في تمكين مشاريع سينمائية من أفريقيا والعالم العربي وآسيا، وإتاحة فرص وصولها إلى منصات المهرجانات الدولية الكبرى.

وأُنتج الفيلم بمشاركة شركات من الكاميرون وفرنسا وبلجيكا وبنين، بينما تتولى «سيلولويد دريمز» مبيعاته الدولية، في نموذج إنتاج يعكس الطابع العابر للحدود الذي تحمله قصة الفيلم نفسها.

 تكريم بلا مبالغة

أفضل ما يفعله كويمو يانغهو أنه لا يحاول أن يجعل «بيت الريح» قصيدة عاطفية عن والدته. إنه يترك لها مساحة لتكون امرأة حقيقية، بكل تناقضاتها وغضبها وضعفها واستقلالها.

وفي النهاية، يمكن قراءة الفيلم باعتباره حكاية عن الغياب أكثر من كونه حكاية عن الهجرة. فالأبناء غائبون جسدياً، لكنهم حاضرون طوال الوقت في تفاصيل حياة أمهم. أما المنزل الذي تحاول جوزيت بناءه، فيتحول تدريجياً إلى رمز لعائلة تحاول أن تجد طريق العودة إلى بعضها.

قد لا يقدم «بيت الريح» إجابات كبرى، لكنه ينجح في شيء أكثر صعوبة، أن يجعل التفاصيل الصغيرة مؤثرة، وفي فيلمه الأول، يثبت كويمو يانغهو أن السينما لا تحتاج دائماً إلى الصخب كي تقول شيئاً عميقاً، أحياناً تكفي أم تنتظر أبناءها، وبيت واسع، وكاميرا تعرف متى تقترب ومتى تكتفي بالمراقبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى