مراجعات فيلمية

قراءة أولى | «الأوديسة».. كريستوفر نولان يراهن على الخلود السينمائي

ملحمة تُبهر العين تقنياً وعاطفة لا تكتمل

«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل

بعد أن أعاد كتابة قواعد السيرة الذاتية في «أوبنهايمر»، يعود كريستوفر نولان إلى الشاشة بمغامرة هي الأكثر جرأة في مسيرته؛ اقتباس سينمائي لملحمة هوميروس «الأوديسة»، النص المؤسس لفكرة الرحلة في الأدب الإنساني.

إنها مغامرة لا يقترب منها معظم المخرجين إلا بحذر، لكن نولان اختار مواجهتها بالطموح نفسه الذي واجه به الزمن في «تينيت»، والذاكرة في «مومنتو»، والتاريخ في «دنكيرك»، والنتيجة عمل سينمائي مذهل بصريًا، لكنه يترك خلفه سؤالًا لا يغادر المشاهد: أين العاطفة؟

منذ اللقطة الأولى، يعلن نولان أنه لا يسعى إلى إعادة إنتاج الأسطورة، بل إلى تفكيكها وإعادة بنائها بعيون معاصرة.

أوديسيوس، الذي يؤديه مات ديمون بأداء متزن ومثقل بالإرهاق النفسي، ليس بطلاً خارقًا تصنعه الآلهة، بل رجل أنهكته الحرب، يطارد طريق العودة إلى وطن لم يعد يعرف إن كان ما يزال ينتظره.

هذا الاختيار يغيّر طبيعة الفيلم بالكامل. فبدلاً من الاحتفاء بالميثولوجيا (علم الأساطير)، يمنح نولان الأولوية للإنسان، ويجعل الوحوش والعجائب خلفية نفسية لرحلة رجل فقد يقينه أكثر مما فقد طريقه.

تقنيًا، يقدم المخرج أحد أكثر الأفلام إبهارًا في تاريخ السينما الحديثة. صُوّر العمل بالكامل بكاميرات IMAX، في سابقة من نوعها، عبر ست دول ومواقع طبيعية هائلة، مع اعتماد شبه كامل على المؤثرات العملية.

حصار طروادة، الذي استعان فيه الإنتاج بآلاف الكومبارس، يثبت مجددًا إيمان نولان بأن الصورة الحقيقية لا تزال تمتلك قوة لا تستطيع الشاشات الخضراء مجاراتها.

كل لقطة تبدو وكأنها لوحة سينمائية مستقلة؛ من الأمواج التي تبتلع سفينة أوديسيوس، إلى مواجهة السيكلوب ذو العين الواحدة، مرورًا بجزر السيرينات اللواتي يفتنّ البحارة بأصواتهن القاتلة، والساحرة سيرسي التي تحول الرجال إلى حيوانات، وصولًا إلى النزول إلى عالم الموتى. إنها لحظات تؤكد أن نولان لا يزال أحد أعظم صناع الصورة في عصره.

لكن هذا البذخ البصري يخفي مشكلة أكثر عمقًا.

الفيلم، الممتد لنحو ثلاث ساعات، يتحرك بإيقاع متسارع لا يمنح مشاهده فرصة للاستقرار.

يعتمد نولان على خطين زمنيين متوازيين؛ أحدهما يتابع رحلة تيليماخوس، الذي يجسده توم هولاند، في البحث عن والده، بينما يستعيد الآخر ذكريات أوديسيوس الممزقة بين الجزر والوحوش والعواصف.

هذا البناء السردي يمنح الفيلم حيوية مستمرة، لكنه يحرم كثيرًا  مشاهده من الاكتمال. فما إن تبدأ مواجهة مع السيكلوب، حتى ينتقل السرد إلى محطة جديدة، وما إن تبلغ السيرينات ذروة حضورها، حتى يقطعها المونتاج سريعًا، وكأن الفيلم يخشى التوقف للحظة واحدة.

حتى سيرسي، التي تقدمها سامانثا مورتون بأحد أكثر أداءات الفيلم إثارة وغموضًا، لا تحظى بالمساحة التي تستحقها، رغم أن ظهورها يحمل أكثر المشاهد اقترابًا من سينما الرعب النفسي داخل عالم نولان.

التحول الحقيقي يبدأ في الفصل الأخير، عندما يصل أوديسيوس أخيرًا إلى إيثاكا.

هنا فقط يتباطأ الإيقاع، ويبدأ الفيلم في التنفس.

المواجهة مع الخطّاب، ولقاء الزوجة بينيلوب، التي تؤديها آن هاثاواي بحضور هادئ ومؤثر، تكشف الوجه الإنساني الذي ظل الفيلم يؤجله طويلًا.

لم تعد القضية رحلة بطل نحو وطنه، بل محاولة رجل لإنقاذ ما تبقى من نفسه بعد سنوات من الحرب والخسارة.

في هذه اللحظات يتألق مات ديمون، مقدمًا أحد أكثر أدواره نضجًا، بينما يفرض روبرت باتينسون حضوره بذكاء في شخصية أنتينوس، الزعيم الانتهازي الذي يحاول الاستيلاء على عرش إيثاكا.

في المقابل، تبدو مشاركة زيندايا ولوبيتا نيونغو محدودة على نحو يثير الدهشة، قياسًا إلى ثقلهما الفني.

وكما اعتاد نولان، لا يكتمل عالمه من دون شريكه البصري هويت فان هويتيما، الذي يصنع صورًا تتجاوز حدود الجمال إلى الإحساس بالعظمة، بينما يمنح لودفيغ غورانسون الفيلم موسيقى نابضة، تتنقل بين الرهبة والحنين، وتصبح في أحيان كثيرة بطلاً خفيًا للأحداث.

غير أن أكثر قرارات نولان إثارة للنقاش هو إبعاده الآلهة عن مركز الحكاية.

ففي ملحمة هوميروس، كانت الإرادة الإلهية هي المحرك الأساسي للأحداث، أما هنا فتتراجع القوى الخارقة إلى الهامش، ليصبح الصراع الحقيقي داخل الإنسان نفسه.

إنها قراءة نفسية حديثة للأسطورة، قد تعجب من يبحث عن معالجة جديدة، لكنها قد تخيب آمال من ينتظر وفاءً كاملاً للنص الكلاسيكي.

كما أن بعض خيارات الحوار، التي تتضمن مفردات معاصرة وصادمة داخل عالم يفترض أنه ينتمي إلى العصر البرونزي، تبدو نشازًا يكسر الإيهام التاريخي الذي يبنيه الفيلم بعناية طوال ساعاته.

ورغم هذه الملاحظات، يصعب إنكار حجم الإنجاز الذي يقدمه «الأوديسة».

فهو ليس مجرد اقتباس لأعظم ملاحم الأدب، بل محاولة لإعادة تعريفها بلغة سينمائية حديثة، تجمع بين الواقعية النفسية والإبهار التقني.

لكن الفيلم، في نهاية المطاف، يظل أسيرًا لمفارقة لافتة؛ فكل شيء فيه يبدو عظيمًا.. الصورة، والإنتاج، والموسيقى، والطموح، وحتى الأداءات، إلا ذلك الخيط العاطفي الذي يجعل المشاهد يعيش الرحلة بدلًا من الاكتفاء بالإعجاب بها.

لقد صنع كريستوفر نولان ملحمة تُبهر العين والعقل، لكنه هذه المرة ترك القلب ينتظر قليلًا. وربما تكون تلك هي المفارقة الكبرى في فيلم سيُذكر طويلًا باعتباره أحد أعظم الإنجازات التقنية في تاريخ السينما، لا لأنه بلغ الكمال، بل لأنه اقترب منه أكثر من معظم الأفلام المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى