مراجعات فيلمية

«البارح العين ما نامت» .. تجربة سينمائية عربية عن النساء وسلطة العادات

يرسّخ اسم مخرجه راكان مياسي كأحد الأصوات المختلفة

كان ـ خاص «سينماتوغراف»

منذ مشاهده الأولى، يفرض فيلم «البارح العين ما نامت» نفسه كواحد من أكثر الأعمال العربية فرادة وتجريبًا هذا العام في مهرجان كان السينمائي 79، إذ يقدّم المخرج الفلسطيني راكان مياسي تجربة سينمائية في قسم «نظرة ما» تتجاوز القوالب التقليدية للدراما الاجتماعية، متكئًا على الإحساس والجو العام أكثر من الحكاية المباشرة، ليصنع فيلمًا يبدو أحيانًا كقصيدة بصرية حزينة تتأمل الألم الأنثوي داخل مجتمع تحكمه سلطة العادات والتقاليد الذكورية.

لا يتعامل مياسي مع عالم البدو في سهل البقاع اللبناني بوصفه مجرد خلفية فولكلورية، بل يقدمه كفضاء مغلق تحكمه منظومة اجتماعية صارمة، حيث تتحول النساء إلى أدوات لتسوية أخطاء الرجال وحماية «شرف» العائلة.

ومن هنا تنبع قوة الفيلم الحقيقية؛ ليس عبر الخطابات المباشرة أو الإدانة الصريحة، بل من خلال مراقبة الحياة اليومية لشخصياته بصبر وتأمل، تاركًا التفاصيل الصغيرة تكشف قسوة هذا العالم تدريجيًا.

يبدأ الفيلم بصورة شاحنة مشتعلة، كأنها نذير مبكر بانفجار داخلي قادم.

ومن خلال حوارات مقتضبة ولمحات متناثرة، تتكشف حكاية فتاة اختفت بعدما وقعت في علاقة عاطفية لا ترضي عائلتها، بينما ينطلق ابن عمها ياسر في رحلة بحث محمومة عنها لاستعادة «شرف» القبيلة.

لكن الفيلم لا يلبث أن ينحرف نحو مأساة أخرى حين يتسبب ياسر في مقتل رجل من قبيلة مجاورة، لتتحول شقيقتاه ريم وجواهر إلى ضحيتين جديدتين لمنظومة لا تسمح للمرأة بامتلاك مصيرها.

بهدوء شديد، يتابع مياسي تفاصيل حياة الشقيقتين، خصوصًا ريم التي تعمل في المستشفى وتحاول التشبث ببعض الاستقلالية الهشة، فيما تبدو جواهر أكثر حيوية وتمردًا، رغم إدراكها العميق للسقف الذي يطوق حياتها.

ولا يسعى الفيلم إلى تفسير طقوس القبائل أو شرح قوانينها الاجتماعية للمشاهد، بل يضعه داخل هذا العالم كما هو، بكل قسوته وغموضه، تاركًا الأحداث تتكشف بصورة شبه وثائقية تزيد من وطأة المأساة.

ومن أكثر عناصر الفيلم إثارة للقلق تلك الطريقة التي تتحول بها النساء إلى «تعويض» عن أخطاء الرجال.

فالعفو عن ياسر لا يتحقق إلا بإرسال ريم وجواهر إلى قبيلة أخرى، حيث يقرر الشيخ مصيرهما وزواجهما كجزء من تسوية عشائرية.

والمثير للانتباه أن مياسي لا يقدم رجال القبيلة بوصفهم وحوشًا كاريكاتورية، بل أشخاصًا عاديين يؤمنون بمنظومة متجذرة في التاريخ، ما يجعل العنف أكثر إيلامًا وواقعية.

على المستوى البصري، يكشف الفيلم عن مخرج يمتلك حسًا سينمائيًا ناضجًا رغم أنها تجربته الروائية الطويلة الأولى.

فاللقطات الطويلة، والإيقاع البطيء، والاهتمام بحركة الريح والأشجار والطرقات الترابية، تمنح الفيلم طابعًا تأمليًا واضحًا، يعكس تأثر مياسي بأسماء كبرى مثل بيلا تار وعباس كيارستمي.

كما ينجح في خلق حالة بصرية آسرة تجعل المشاهد يعيش داخل هذا العالم أكثر مما يراقبه من الخارج.

ورغم قتامة الفيلم، فإن مياسي يزرع لحظات إنسانية ساخرة وعفوية تخفف من ثقله النفسي، مثل مشهد البقرة التي ترفض الحلب، أو بعض الحوارات الليلية بين الشقيقتين، وهي لحظات تمنح الشخصيات روحًا وحميمية بعيدًا عن الرمزية الثقيلة.

كذلك يأتي مشهد الزفاف كأحد أقوى لحظات الفيلم بصريًا ودراميًا، حيث تختلط الموسيقى والرقصات الشعبية بإحساس داخلي خانق بالفقد والخضوع، في توازن بارع بين الاحتفال والحزن المكتوم.

لكن الفيلم، رغم جمالياته العالية، لا يخلو من بعض التعثرات. ففي بعض المقاطع، يبدو أقرب إلى سلسلة من المشاهد التأملية المنفصلة أكثر من كونه بناءً دراميًا متماسكًا، كما أن تمسكه الشديد بالإيقاع البطيء قد يخلق مسافة عاطفية مع بعض المشاهدين الباحثين عن تطور سردي أوضح.

ومع ذلك، تبقى هذه الخيارات جزءًا من رؤية مياسي الفنية التي تفضّل التأمل والملاحظة على التصعيد التقليدي.

وفي خاتمته المفتوحة والخيالية، يكشف «البارح العين ما نامت» عن أكثر طبقاته الشخصية ألمًا.

فالفيلم مستوحى جزئيًا من قصة جدّة المخرج، التي أُجبرت على الزواج وهي في الرابعة عشرة من عمرها، ليحوّل مياسي هذه الذاكرة العائلية إلى عمل سينمائي موجع عن النساء اللواتي يعشن داخل دائرة لا تنتهي من القمع والتضحية. والنتيجة فيلم شديد الخصوصية، جريء بصريًا وعاطفيًا، يرسّخ اسم راكان مياسي كأحد أبرز الأصوات السينمائية العربية الجديدة الباحثة عن لغة مختلفة ومتفردة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى