«باكينغ فاستارد» .. فيرنر هيرتزوغ يغامر بالعبث
شقيقتا مارا تنقذان فيلمًا يفتقد التماسك

فينيسيا ـ خاص «سينماتوغراف»
ماذا يحدث عندما تتشارك شقيقتان العقل نفسه، والحلم نفسه، وحتى الرجل نفسه؟.
يجيب فيرنر هيرتزوغ في «باكينغ فاستارد،Bucking Fastard ـ وغدٌ عاقّ» بفيلم غريب الأطوار، ساخر ومفتون بالعبث، تتصدره كيت وروني مارا في أول ظهور يجمعهما على الشاشة.
وبينما تمنح الكيمياء الاستثنائية بين الشقيقتين الفيلم أفضل لحظاته، تتعثر الحكاية كلما ابتعدت عن جنون ثنائيتهما.
جين وجوان هولبروك ليستا مجرد شقيقتين شديدتي القرب؛ إنهما أشبه بشخص واحد يعيش بجسدين.
تتحدثان بانسجام تام، تتشاركان الملابس والأفكار والأحلام، وتفعلان كل شيء معًا، حتى الوقوع في حب الرجل نفسه.
يظهر هذا الرجل في صورة الجار مولروني، الذي يؤدي دوره أورلاندو بلوم، وهو رجل متعدد العلاقات أعلن أنه سيتزوج امرأة أخرى.
لكن ذلك لا يمنع الشقيقتين من ملاحقته والتنافس عليه، وصولًا إلى سلوكيات عنيفة تقودهما في النهاية إلى المحكمة، وهنا يبلغ الفيلم ذروة متعته.
تبدو مشاهد المحاكمة، إلى جانب الوقائع التي تقود إليها، أفضل أجزاء الفيلم وأكثرها انسجامًا مع روح هيرتزوغ الغريبة.
تضحك الشقيقتان في غير موضع الضحك، تقاطعان الاستجواب، وتتعاملان مع المحكمة كما لو أنها امتداد لعالمهما الخاص الذي لا يخضع لقواعد الآخرين. حتى زلة لسانهما في وصف مولروني بـ«الخائن المشاغب» تتحول إلى لحظة كوميدية كاشفة عن طبيعتهما المنفلتة.
والأهم أن هيرتزوغ يترك مساحة للمفاجأة؛ فالمشاهد لا يعرف تمامًا إلى أين يمكن أن تقود مغامرة الشقيقتين التالية. لكن المشكلة تبدأ بعد انتهاء المحاكمة.
من الجنون إلى التشتت
بعد نبذهما اجتماعيًا، تنتقل جين وجوان إلى مكان منعزل قرب الميناء، حيث يفتح الفيلم أبوابًا جديدة على شخصيات غريبة ومواقف عبثية، ثم يدخل الأخصائي الاجتماعي تيموثي، الذي يؤدي دوره دومينال غليسون.
يحاول تيموثي دفع الشقيقتين إلى اكتساب قدر من الاستقلال، مقترحًا أن تنجز كل واحدة منهما مهامًا منفصلة، حتى لو كانت بسيطة مثل فتح علبة سردين أو شراء تذكرة قطار.
الفكرة تحمل إمكانات درامية واضحة، خصوصًا أن الفيلم بنى منذ البداية على علاقة تكاد تلغي الحدود بين الشخصيتين. لكن هيرتزوغ لا يستثمر هذا المسار بما يكفي.
بدل أن يصبح الانفصال التدريجي محورًا لتطور الشخصيتين، تتحول الأحداث إلى سلسلة من المغامرات والمواقف المتفرقة، فتفقد الحبكة شيئًا من تماسكها.
ويبدو حضور غليسون، رغم جاذبيته المعتادة، أقل أهمية مما كان يمكن أن يكون عليه لو استُثمر خطه الدرامي بصورة أعمق.
كيت وروني.. سر الفيلم
إذا كان الفيلم يتعثر أحيانًا في الحكاية، فإن كيت وروني مارا تنجحان باستمرار في إبقاء العين معلقة بالشاشة.
الكيمياء بينهما ليست مصطنعة، وهو أمر يصعب تحقيقه حتى بين ممثلين محترفين. وبصفتهما شقيقتين في الحياة، تحمل كل واحدة منهما معرفة فطرية بإيقاع الأخرى وحركتها ونظراتها.
يتحدثان معًا، يضحكان معًا، يتحركان معًا، ويبدو أحيانًا أن إحداهما تعرف ما ستفعله الأخرى قبل أن تفعله.
حتى الفروق الصغيرة في الأداء تضيف إلى التجربة، فروني أكثر تحفظًا في بعض التعبيرات، بينما تميل كيت إلى مبالغة كوميدية أكبر، لكن الاختلاف لا يفسد الانسجام، بل يمنحه حياة إضافية.
وهذه الثنائية تحديدًا هي ما ينقذ الفيلم في لحظاته الأكثر تشتتًا.
فيلم خارج المألوف
ليس من الصعب فهم سبب وصف «باكينغ فاستارد» بأنه فيلم غير اعتيادي في مسيرة هيرتزوغ، خصوصًا أنه يحمل إهداءً إلى ديفيد لينش، أحد أكثر المخرجين ارتباطًا بعوالم السينما الغريبة والمقلقة.
لكن غرابة الفيلم لا تأتي دائمًا من رؤية مكتملة.
هناك أفكار عديدة يلمح إليها هيرتزوغ ثم يتركها معلقة. نفق يُقال إنه يقود إلى جزيرة أوركني، يُحفر على مدى سنوات، لكنه لا يتحول إلى البوابة الغامضة التي يوحي بها الفيلم.
وهناك ثعلب وحيد يبدو كأنه انعكاس رمزي لوحدة الشقيقتين، قبل أن يتحول حضوره إلى مجرد تفصيل جانبي.
حتى احتمال تعرض علاقة جين وجوان للاهتزاز، وهو مسار كان يمكن أن يمنح قصة تيموثي معنى أكبر، لا يحصل على التطور الكافي.
وهنا تكمن مشكلة الفيلم الأساسية، ليس في نقص الأفكار، بل في كثرتها وعدم اكتمال بعضها.
أورلاندو بلوم داخل العبث
يؤدي أورلاندو بلوم دور مولروني، الرجل الذي يتحول إلى محور هوس الشقيقتين، ويمنح الشخصية قدرًا من الخفة التي تتناسب مع العالم الكوميدي للفيلم.
لكن مولروني يظل في النهاية أداة لتحريك علاقة جين وجوان أكثر من كونه شخصية مكتملة بذاتها. فالفيلم لا يهتم كثيرًا بتعميق الرجل بقدر اهتمامه بتأثيره في الشقيقتين.
وهذا يتكرر مع عدد من الشخصيات الجانبية التي تظهر وتختفي دون أن تترك أثرًا سرديًا يوازي الأفكار التي يقدمها الفيلم من خلالها.
حين لا تكفي الغرابة
يمتلك هيرتزوغ في «باكينغ فاستارد» مجموعة من العناصر التي كان يمكن أن تصنع فيلمًا استثنائيًا، شقيقتان تعيشان كأنهما شخص واحد، حب مستحيل، عالم يرفضهما، نفق غامض، ثعلب وحيد، وشخصيات هامشية تعيش على أطراف المجتمع.
لكن جمع هذه العناصر لا يعني بالضرورة نجاحها معًا.
فالفيلم يبدو أحيانًا وكأنه يفتح أبوابًا سردية أكثر مما يستطيع إغلاقه، ويترك بعض الأفكار في منتصف الطريق، وكان يمكن لبعض هذه الخيوط أن تمنح العمل عمقًا أكبر أو اتجاهًا أكثر وضوحًا.
مع ذلك، يصعب الشعور بالملل عندما تكون كيت وروني مارا في قلب المشهد.
تجربة ممتعة.. رغم عثراتها
«باكينغ فاستارد» ليس من أكثر أفلام هيرتزوغ اكتمالًا، وربما يكون من أكثرها تفاوتًا. فهو يملك شخصيات لا تُنسى، وفكرة أصلية، ولحظات كوميدية شديدة الذكاء، لكنه يعاني من حبكة متشعبة لا تجد دائمًا الطريق المناسب لتطوير أفكارها.
غير أن اختيار كيت وروني مارا للدورين الرئيسيين يثبت أنه كان الاختيار الأهم في الفيلم. فكلما ابتعدت الحكاية عن مسارهما، خفت بريقها، وكلما عادت إليهما، استعاد الفيلم طاقته.
في النهاية، قد لا يقدم هيرتزوغ هنا فيلمًا مكتمل البناء، لكنه يقدم تجربة يصعب تجاهلها، تجربة تقوم على ثنائي استثنائي، وسخرية غريبة، وعالم لا يكترث كثيرًا بقواعد المنطق.
وربما تكمن مفارقة «باكينغ فاستارد» في أن الفيلم نفسه يشبه بطلتَيه، غريب، غير متوقع، يعيش وفق قواعده الخاصة، ولا يبدو مستعدًا للاعتذار عن ذلك.






