ديل تورو يعيد «متاهة بان» ومعركته السينمائية إلى «كان 79»
عشرون عامًا من التصفيق لأسطورة الفانتازيا

كان ـ خاص «سينماتوغراف»
عاد المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو إلى مهرجان كان السينمائي 79 ليؤكد أن فيلم متاهة بان لم يكن مجرد تجربة فانتازية ناجحة، بل معركة وجودية ضد الصناعة والظروف والشكوك.
وخلال تقديم النسخة المرممة بتقنية 4K ضمن قسم كلاسيكيات كان، وصف ديل تورو صناعة الفيلم بأنها “ثاني أسوأ تجربة إخراجية” في حياته، مؤكدًا أن المشروع واجه مقاومة في كل مرحلة، من التمويل وحتى المونتاج النهائي.
الفيلم الذي عُرض لأول مرة في المسابقة الرسمية لـمهرجان كان السينمائي 2006 تحول مع الزمن إلى أحد أبرز كلاسيكيات السينما الحديثة. فعند عرضه الأول قبل عشرين عامًا، حصد تصفيقًا أسطوريًا استمر 22 دقيقة، وهو رقم ظل حاضرًا في ذاكرة المهرجان كأحد أكثر لحظاته تأثيرًا.
ومع عودته هذا العام، بدا واضحًا أن سحر الفيلم لم يخفت، إذ استقبل الجمهور ديل تورو بحفاوة كبيرة، وكأن “متاهة بان” لا يزال عملًا معاصرًا يقرأ العالم الحالي بقلق مخيف.
تدور أحداث الفيلم في إسبانيا عام 1944، في ظل الحكم الفرانكوي الدموي عقب الحرب الأهلية. وتؤدي إيفانا باكيرو دور الطفلة أوفيليا التي تهرب من قسوة الواقع إلى عالم أسطوري غامض، حيث تواجه مخلوقات مرعبة واختبارات قاسية بحثًا عن الخلاص.
ومن خلال هذه الرحلة، يمزج ديل تورو بين الحكاية الخيالية والرعب السياسي، ليصنع فيلمًا يقف على الحدود بين البراءة والعنف، وبين الأحلام والديكتاتورية.
تميز “متاهة بان” بلغته البصرية المدهشة التي جمعت بين الواقعية القاتمة والفانتازيا السوداء، مع تصميم مخلوقات أصبح جزءًا من الذاكرة السينمائية الحديثة، خاصة شخصية “الرجل الشاحب” التي جسدها دوغ جونز.
كما منح الأداء القاسي لـسيرجي لوبيز الفيلم أحد أكثر الأشرار رعبًا في سينما الألفية الجديدة، بينما أضفت ماريبيل فيردو بعدًا إنسانيًا مؤثرًا على الحكاية.
وعلى المستوى الفني، يُعد الفيلم ذروة نضج مشروع ديل تورو السينمائي، إذ نجح في تحويل الفانتازيا إلى أداة مقاومة سياسية وأخلاقية. فالمخلوقات في الفيلم ليست للزينة البصرية، بل امتداد نفسي لعالم مكسور يعيش تحت القمع والخوف. ولهذا ظل الفيلم حاضرًا بقوة في النقاشات السينمائية حتى اليوم، بوصفه نموذجًا نادرًا لفيلم جماهيري يمتلك عمقًا فلسفيًا وإنسانيًا.
حقق الفيلم عند طرحه عام 2006 إيرادات تجاوزت 83 مليون دولار عالميًا، كما رُشح لست جوائز أوسكار، وفاز بثلاث منها عن التصوير السينمائي والإخراج الفني والمكياج، ليكرّس مكانة ديل تورو كأحد أهم صناع الفانتازيا المعاصرين.
لكن أكثر ما لفت الأنظار في حديث ديل تورو داخل كان، لم يكن استعادته لمعاناة الإنتاج فقط، بل دفاعه العاطفي عن قيمة الفن في زمن الذكاء الاصطناعي والتطبيقات السريعة.
فقد عبّر عن قلقه من عالم يعتقد أن “الفن يمكن صنعه بتطبيق سخيف”، مؤكدًا أن السينما الحقيقية تُولد من الألم والمقاومة والإيمان الإنساني، لا من الاختصارات التقنية.
وفي واحدة من أكثر لحظات الندوة تأثيرًا، استعاد ديل تورو نصيحة صديقه المخرج ألفونسو كوارون بعد التصفيق التاريخي في كان عام 2006، حين قال له: “دع الحب يدخل إليك”. وهي الجملة التي بدت اليوم وكأنها تلخص روح “متاهة بان” نفسها؛ فيلم يؤمن بأن الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لمواجهته.
وبعد عقدين من عرضه الأول، لا يزال “متاهة بان” واحدًا من أكثر أفلام القرن الحادي والعشرين فرادة وتأثيرًا؛ عمل يثبت أن السينما العظيمة قادرة على تحويل الكوابيس السياسية إلى أساطير خالدة، وأن الخوف، مهما بدا ساحقًا، لا ينتصر طالما بقي هناك من يؤمن بالحكاية.






