«أسد» يراهن على ملحمة بصرية وتقديم التاريخ من منظور إنساني
دياب ورمضان يقودان أضخم مغامرة في السينما المصرية

القاهرة ـ «سينماتوغراف» : منى حسين
تحوّل المؤتمر الصحفي لفيلم أسد إلى واحدة من أكثر الفعاليات السينمائية إثارة للاهتمام في الوسط الفني المصري والعربي، بعدما كشف صُنّاع العمل عن تفاصيل مشروع ضخم يسعى إلى إعادة تعريف الفيلم التاريخي العربي بصريًا ودراميًا، في تجربة تجمع بين الطموح الإنتاجي والرؤية السينمائية العالمية.
وخلال المؤتمر، بدا واضحًا أن الفيلم لا يُقدَّم باعتباره مجرد عمل جماهيري جديد، بل كمشروع سينمائي طويل المدى جرى تطويره على مدار سنوات، بهدف بناء عالم بصري متكامل قادر على المنافسة خارج الحدود المحلية.
المخرج محمد دياب أكد في تصريحاته أن الفيلم لا يتناول ثورة الزنج كما تردد سابقًا، بل تدور أحداثه داخل مصر خلال القرن التاسع عشر، في فترة تاريخية معقدة ومشحونة بالصراعات الاجتماعية والتحولات السياسية، موضحًا أن العمل يستند إلى خلفية تاريخية حقيقية، لكنه لا يُقدَّم بوصفه درسًا تاريخيًا تقليديًا، بل كحكاية إنسانية ملحمية تحمل أبعادًا معاصرة.

وأشار دياب إلى أن التحدي الأكبر كان يتمثل في خلق توازن بين الهوية المصرية الخاصة للفيلم وبين اللغة السينمائية القادرة على الوصول إلى الجمهور العالمي، موضحًا أن المشروع احتاج سنوات طويلة من الكتابة والتحضير والتصميم البصري حتى يصل إلى شكله الحالي.
وقال إن الفيلم يعتمد على بناء صورة سينمائية واسعة النطاق، سواء عبر تصميم الملابس والديكورات أو عبر مشاهد الحركة والمعارك، مؤكدًا أن فريق العمل استعان بخبرات تقنية متخصصة للوصول إلى مستوى بصري يقترب من الإنتاجات العالمية الكبرى.
ويحمل اسم محمد دياب خصوصية إضافية داخل المشروع، باعتباره أحد أبرز المخرجين العرب الذين نجحوا في الوصول إلى هوليوود خلال السنوات الأخيرة، بعد إخراجه حلقات من مسلسل Moon Knight لصالح Marvel Studios، وهو ما انعكس بوضوح على الطموح التقني والبصري لفيلم “أسد”.

أما السيناريست شيرين دياب، فقد لعبت دورًا محوريًا في بناء العالم الدرامي للفيلم، إذ شاركت في كتابة السيناريو إلى جانب محمد دياب وخالد دياب، ضمن عملية تطوير طويلة هدفت إلى خلق شخصيات معقدة إنسانيًا، بعيدة عن النمط التقليدي للأفلام التاريخية العربية.
وكشف شيرين طبيعة الكتابة في الفيلم، مشيرة إلى محاولة تقديم التاريخ من منظور إنساني وشخصي، لا من خلال الاستعراض الزمني للأحداث فقط، حيث يركّز الفيلم على فكرة الهوية والسلطة والصراع من أجل الحرية، وهي ثيمات تبدو قريبة من الروح التي ميّزت أعمال محمد دياب السابقة، خصوصًا اشتباك.
ويبدو أن شيرين دياب اتجهت في بناء الشخصيات إلى منح الأبطال دوافع نفسية عميقة، بحيث لا يتحول الفيلم إلى مجرد عرض بصري ضخم، بل إلى دراما إنسانية قائمة على التوتر الداخلي والتحولات العاطفية، وهو ما يمنح المشروع بعدًا سينمائيًا أكثر نضجًا.
وعلى مستوى الإنتاج، كشف المؤتمر عن حجم استثنائي من التحضيرات اللوجستية والتنفيذية، حيث جرى تصوير الفيلم في مواقع متعددة، مع بناء ديكورات ضخمة خصيصًا للعمل، إضافة إلى الاعتماد على فرق متخصصة في تصميم المعارك والأزياء والخدع البصرية.
ويأتي ذلك ضمن رؤية إنتاجية يقودها المنتج موسى أبو طالب، الذي يسعى ـ بحسب فريق العمل ـ إلى تقديم نموذج مختلف للإنتاج السينمائي العربي، يعتمد على الجودة التقنية العالية والانفتاح على السوق الدولية، بدل الاكتفاء بالنجاح المحلي التقليدي.
وتعكس طبيعة المشروع رغبة واضحة في استعادة نموذج “الفيلم الملحمي” داخل السينما المصرية، وهو النوع الذي تراجع حضوره خلال العقود الأخيرة بسبب ارتفاع تكلفته وصعوبة تسويقه، قبل أن تعود المنصات العالمية لتعيد الاهتمام بالأعمال التاريخية واسعة النطاق.

سينمائيًا، يبدو “أسد” أقرب إلى محاولة لبناء عالم بصري متكامل أكثر من كونه فيلم أكشن تاريخي مباشر. فطريقة الحديث عن الصورة والإضاءة وتصميم الكادرات تكشف عن مشروع يراهن على الفرجة السينمائية الكبرى، مع الاحتفاظ بجذر درامي وإنساني واضح.
كما أن اختيار فترة القرن التاسع عشر يمنح الفيلم مساحة بصرية غنية تسمح بإعادة تشكيل مصر القديمة اجتماعيًا ومعماريًا، في وقت أصبحت فيه الأفلام التاريخية العربية نادرة الحضور مقارنة بالإنتاجات العالمية.
ويرى مراقبون أن “أسد” قد يشكل نقطة تحول مهمة في السينما المصرية إذا نجح في تحقيق المعادلة الصعبة بين النجاح الجماهيري والقيمة الفنية، خصوصًا مع وجود طموحات فعلية لعرضه في مهرجانات سينمائية دولية كبرى، وهو ما أشار إليه فريق العمل خلال المؤتمر.
ومع تصاعد الاهتمام بالفيلم قبل عرضه، يبدو أن “أسد” لا يُقدَّم فقط باعتباره بطولة جديدة لمحمد رمضان، بل كمشروع سينمائي عربي ضخم يحاول إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل تستطيع السينما العربية إنتاج ملحمة تاريخية تنافس عالميًا دون أن تفقد هويتها المحلية؟.






