كريستوفر نولان أمام اختبار أوسكاري جديد في 2027
هل يتكرر انتصار «أوبنهايمر» أم يتغير المشهد مع «الأوديسة»؟

«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل
لم تعد حظوظ كريستوفر نولان في سباق أوسكار أفضل مخرج لعام 2027 مجرد تكهنات مبكرة.
فبعد أسابيع قليلة من إطلاق «الأوديسة»، تحوّل الفيلم إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز المقبل، ليس فقط بسبب اسمه، وإنما لأن الفيلم يجمع بين ثلاثة عناصر نادرًا ما تجتمع بهذه القوة، مشروع سينمائي ضخم، استقبال نقدي قوي، ونجاح جماهيري تجاوز التوقعات.
وتبدو المفارقة أن نولان يدخل السباق هذه المرة من موقع مختلف تمامًا عن موقعه قبل عامين.
عندما فاز عن «أوبنهايمر» في حفل 2024، كان الانتصار تتويجًا لمسيرة طويلة من الترشيحات والانتظار.
أما في 2027، فإن الأكاديمية ستواجه سؤالًا أكثر تعقيدًا، هل تمنح نولان جائزة ثانية بعد فترة قصيرة نسبيًا، أم ترى أن الوقت حان لتكريم مخرج آخر؟.
والتصحيح الزمني هنا مهم، نولان فاز عن «أوبنهايمر» في مارس 2024، أي أن أوسكار 2027 سيأتي بعد ثلاث سنوات، وليس عامين.
وهذا الفارق يجعل حجة «التكريم المتقارب» أضعف مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
حتى الآن، المؤشرات تميل بوضوح إلى نولان. ففيلم «الأوديسة» حقق افتتاحية عالمية بلغت 264.1 مليون دولار، بينها 124.5 مليون دولار في أميركا الشمالية، كما حصل على تقييم جماهيري مرتفع جدًا، في حين حقق عرض آي ماكس وحده أرقامًا قياسية.
ثم تجاوز الفيلم حاجز المليار دولار عالميًا، قبل أن ترتفع حصيلته إلى أكثر من 1.1 مليار دولار، ليصبح أحد أكبر النجاحات التجارية في مسيرة نولان.
لكن الأهم بالنسبة إلى فئة الإخراج أن النجاح التجاري جاء مصحوبًا باستقبال نقدي قوي، فقد وصفت صحيفة «الغارديان» الفيلم بأنه من أكثر أفلام نولان استقبالًا نقديًا، ورأت فيه منافسًا مبكرًا على أوسكار أفضل فيلم.
وهنا تكمن قوة نولان الحقيقية.. «الأوديسة» ليست مجرد فيلم جماهيري ناجح يمكن ترشيحه في الفئات التقنية، بل مشروع إخراجي واضح المعالم، يعتمد على بناء عالم ملحمي واسع، وتصوير الفيلم بالكامل بكاميرات IMAX، وإدارة عدد ضخم من الشخصيات والمواقع والمؤثرات والمشاهد الحربية والبحرية.
هذه العناصر تمنح نولان مادة مثالية أمام فرع المخرجين في الأكاديمية؛ لأن التصويت لأفضل مخرج لا يتعلق دائمًا بمن صنع «أفضل فيلم» فقط، بل بمن قدم إنجازًا إخراجيًا يصعب تجاهله.
والمعضلة الأساسية أمام نولان ليست أن «الأوديسة» تفتقر إلى الإنجاز الفني، بل أن الأكاديمية قد تشعر بأن المخرج حصل بالفعل على لحظة التكريم الكبرى.
لكن هذه الحجة ليست حاسمة.
فنولان لم يصبح فجأة مخرجًا ناجحًا بعد «أوبنهايمر». مسيرته قبل ذلك كانت تضم «ممنتو»، و«ذا دارك نايت»، و«إنسبشن»، و«دانكيرك» و«تينيت»، إضافة إلى «أوبنهايمر».
وبالتالي، فإن فوزه السابق يمكن قراءته باعتباره تكريمًا لمسيرة طويلة، بينما يمكن أن يأتي فوزه الثاني بوصفه تقديرًا لإنجاز إخراجي مختلف تمامًا.
والفارق بين الفيلمين مهم للغاية.
«أوبنهايمر» كان فيلمًا تاريخيًا نفسيًا كثيفًا، قائمًا على الأداء والحوار والتوتر الداخلي والزمن المتشظي.
أما «الأوديسة» فهي مغامرة أسطورية واسعة النطاق، تنقل نولان من التاريخ الحديث إلى عالم هوميروس، ومن صراع العقل والضمير إلى البحر والأسطورة والحرب والعودة إلى الوطن.
بمعنى آخر، إذا نجح نولان في الفوز مجددًا، فلن يكون السبب أن الأكاديمية تريد إعادة مكافأته، بل لأنها قد ترى أن الفيلم الجديد يثبت مرة أخرى قدرته على إعادة تعريف حدود السينما التجارية.
وإذا كان هناك مخرج يمكنه قلب السباق، فهو دينيس فيلنوف.
المفارقة أن فيلنوف قدم بالفعل أحد أكثر المشاريع السينمائية طموحًا في السنوات الأخيرة من خلال سلسلة «ديون»، ومع ذلك لم يحصل على ترشيح لأفضل مخرج عن الجزأين السابقين بالشكل الذي توقعه كثيرون.
ولهذا فإن «ديون: الجزء الثالث» يمتلك سردية أوسكارية جاهزة: المخرج الذي بنى واحدة من أعقد الملاحم السينمائية الحديثة، ثم عاد ليختتمها بفصل أخير أكبر وأكثر نضجًا.
وتضع بعض توقعات موسم الجوائز فيلنوف خلف نولان مباشرة، فيما تضعه أسواق التوقعات في المركز الثاني بفارق واضح.
لكن مشكلة فيلنوف أن الفيلم لم يدخل بعد مرحلة الاختبار الحقيقي أمام النقاد والجمهور. لذلك فإن موقعه الحالي يعتمد جزئيًا على الثقة المتراكمة من «ديون» و«ديون: الجزء الثاني».
وإذا جاء الجزء الثالث على مستوى التوقعات، فقد يتحول السباق إلى مواجهة مباشرة بين مخرجين يمتلك كل منهما مشروعًا ملحميًا ضخمًا، لكنهما يستخدمان الحجم السينمائي بطريقة مختلفة.
نولان يستند إلى الأسطورة وإعادة ابتكار هوميروس، بينما يستند فيلنوف إلى الخيال العلمي وبناء عالم سياسي وفلسفي كامل.
وهنا قد يصبح السؤال.. هل تكافئ الأكاديمية التجديد داخل الفيلم الواحد، أم اكتمال مشروع سينمائي امتد لثلاثة أفلام؟
أما المنافس الأكثر خطورة من خارج هوليوود هو الروماني كريستيان مونجيو.
فيلمه «فيورد» فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان 2026، ليصبح مونجيو أحد المخرجين القلائل الذين فازوا بالجائزة مرتين.
كما حصل الفيلم على جوائز أخرى في المهرجان، بينها جائزة فيبريسي والجائزة المسكونية وجائزة فرانسوا شاليه.
وهذه ليست مجرد جائزة مهرجان كبيرة؛ إنها ورقة سياسية وفنية قوية في موسم الأوسكار.
«فيورد» يقدم مونجيو باللغة الإنجليزية للمرة الأولى، ويتناول أسرة رومانية تعيش في النرويج، وما ينشأ حولها من صدامات ثقافية واجتماعية وقضايا تتعلق بتربية الأطفال والهوية والقيم.
ومن منظور الأكاديمية، يمثل الفيلم نوعًا مختلفًا تمامًا من الإنجاز عن «الأوديسة».
فبينما يطلب نولان من المشاهد التعامل مع الحجم، يطلب مونجيو منه التعامل مع التفاصيل؛ وبينما يستعرض الأول الإمكانات التقنية للصورة، يعتمد الثاني على المراقبة الاجتماعية والتوتر الأخلاقي.
وهذا تحديدًا ما قد يجعل «فيورد» منافسًا حقيقيًا إذا حافظ على زخمه حتى موسم الجوائز.
ويأتي مارتن ماكدونا في منطقة أكثر غموضًا.
مخرج «إن بروج» و«ثري بيلبوردز» و«ذا بانشيز أوف إنشيرين» يمتلك بالفعل رصيدًا كبيرًا لدى الأكاديمية، لكنه لم يفز بأوسكار الإخراج حتى الآن.
ويأتي «وايلد هورس ناين» في توقيت يسمح ببناء سردية قوية حوله، خصوصًا أن بعض توقعات الموسم تضعه ضمن الخمسة الأوائل في سباق الإخراج.
ميزة ماكدونا أنه لا يحتاج إلى إثبات أنه مخرج كبير. وإذا كان الفيلم قويًا، يمكن لحملة الجوائز أن تتحول بسهولة إلى حكاية «المخرج المخضرم الذي حان وقت تكريمه».
لكن مشكلته أن الفيلم، في هذه المرحلة، لا يمتلك الزخم نفسه الذي يحيط بـ«الأوديسة»، ولا الورقة المهرجانية التي يمتلكها «فيورد».
ويبقى كذلك أليخاندرو غونزاليس إيناريتو اسمًا لا يمكن تجاهله.
«ديغر» يجمعه بتوم كروز، ويضع المخرج المكسيكي أمام مشروع جديد قد يعيده إلى دائرة الأكاديمية بقوة.
وتضعه بعض التوقعات الحالية بين أبرز المنافسين لنولان، وإن كانت مكانته تتراجع أو تتقدم تبعًا لتطورات موسم الجوائز.
ويمتلك إيناريتو ميزة مهمة.. الأكاديمية تعرفه جيدًا.
فهو مخرج سبق أن فاز بأوسكار الإخراج، ويعرف كيف يصنع فيلمًا يجمع الطموح الفني بالحضور الجماهيري.
وإذا جاء «ديغر» بالشكل المتوقع، فقد يصبح المنافس الذي يستفيد من انقسام الأصوات بين نولان وفيلنوف ومونجيو.
أما جيسي آيزنبرغ، فقصته مختلفة.
فيلم الظهور الأول «The Debut» هو ثالث تجربة إخراجية له، وقد كتب الفيلم وأخرجه، فيما يضم طاقم التمثيل جوليان مور وبول جياماتي وهالي بيلي. ومن المقرر طرحه في ديسمبر 2026.
آيزنبرغ ليس اسمًا عابرًا في موسم الجوائز؛ فقد حصل بالفعل على ترشيح أوسكاري عن فيلم ألم حقيقي «A Real Pain» في فئة السيناريو الأصلي، ما يمنحه معرفة مباشرة بموسم الجوائز وبآليات الحملة.
لكن فرصته في الإخراج تعتمد بالكامل تقريبًا على استقبال الفيلم.
وإذا تحول «The Debut» إلى مفاجأة نقدية، فقد تصبح قصة «الممثل الذي تحول إلى مخرج بارز» جذابة للأكاديمية.
أما إذا جاء الاستقبال متوسطًا، فمن الصعب أن يصمد أمام أسماء تمتلك أفلامًا أكبر وزنًا.
ولا يتوقف السباق عند هذه الأسماء.
ثمة أسماء مثل بافل بافليكوفسكي، وجورجيا أوكلي، وتوني جيلروي، إضافة إلى الثنائي خافيير أمبروسي وخافيير كالفو، اللذين حصلا على جائزة الإخراج في كان عن « لا بولا نيجرا ». وتظهر هذه الأسماء بالفعل في قوائم توقعات موسم 2027.
كما يمكن لفيلم مشروع هيل ماري «Project Hail Mary» أن يخلق مساحة لفيليب لورد وكريستوفر ميلر، خصوصًا بعد نجاح الفيلم جماهيريًا وحصوله على إشادات مبكرة وجوائز منتصف الموسم.
وهناك أيضًا ديفيد فينشر، الذي قد يدخل السباق بقوة إذا نجح « مغامرات كليف بوث »، خصوصًا مع سيناريو كتبه كوينتن تارانتينو وبطولة براد بيت. لكن موعد طرح الفيلم المتأخر يجعله أحد أكثر المنافسين اعتمادًا على ردود الفعل في نهاية العام.
وبحسب أحدث التوقعات، يحتل نولان المركز الأول في سباق أفضل مخرج لدى «Awards Radar»، بينما يأتي فيلنوف ثانيًا، وماكدونا ثالثًا، وإيناريتو رابعًا، ومونجيو خامسًا.
وفي سوق توقعات آخر، يحصل نولان على نحو 61 في المائة لاحتمال الفوز، مقابل 22 في المائة لفيلنوف و10 في المائة لإيناريتو، وهي أرقام تعكس حجم الزخم الحالي أكثر مما تمثل توقعًا نهائيًا للنتيجة.
وهذه نقطة أساسية: السباق في أغسطس ليس السباق في يناير.
الأكاديمية لم تعلن الترشيحات بعد، والتصويت على الترشيحات يبدأ في يناير 2027، بينما يبدأ التصويت النهائي في فبراير. أما الحفل فسيقام في 14 مارس 2027، بحسب الجدول الرسمي للأكاديمية.
وبالتالي، يمكن أن تتغير الخريطة جذريًا بعد مهرجانات الخريف، خصوصًا فينيسيا وتورونتو ونيويورك، ثم مع دخول حملات الاستوديوهات مرحلة الذروة.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل يستحق نولان الأوسكار؟».
الإجابة الحالية تميل بقوة إلى نعم.
السؤال الأكثر إثارة هو: هل ستعتبر الأكاديمية أن «الأوديسة» هي الإنجاز الإخراجي الأبرز في موسم تتنافس فيه أفلام ملحمية عدة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن فوز نولان الثاني يصبح منطقيًا جدًا
فالفيلم نجح في الجمع بين السينما الجماهيرية والمشروع الفني الشخصي، وأثبت أن فيلمًا أصلي الرؤية يمكن أن يخاطب جمهورًا عالميًا واسعًا. كما أن نجاحه التجاري الهائل يزيل إحدى العقبات التقليدية أمام الأفلام الملحمية ذات الميزانيات الضخمة: إثبات أن الطموح الفني لا يعني الابتعاد عن الجمهور.
لكن هناك نقطة أخرى قد تعمل ضده.
بعض النقاد رأوا أن معالجة نولان لهوميروس تميل إلى الجدية المفرطة، وأن الفيلم يبتعد أحيانًا عن روح النص الأصلي، خصوصًا في ما يتعلق بالفكاهة والجوانب الحسية والاحتفالية في الملحمة. وقد أثارت هذه النقطة نقاشًا نقديًا واسعًا بين المتخصصين في هوميروس.
وهنا يمكن أن يتحول الانقسام النقدي إلى فرصة للمنافسين.
فإذا رأى المصوتون أن نولان صنع فيلمًا ضخمًا ومثيرًا للإعجاب، لكن فيلنوف صنع خاتمة أكثر إحكامًا، أو أن مونجيو قدم الفيلم الأكثر نضجًا فنيًا، أو أن إيناريتو قدم المفاجأة الأكثر ابتكارًا، فقد يصبح اسم نولان أقل حسمًا مما توحي به التوقعات الحالية.
وفي منتصف أغسطس، يصعب وضع نولان في أي موقع آخر غير المرشح الأول.
لكن المرشح الأول ليس بالضرورة الفائز.
أقرب منافس له هو فيلنوف إذا جاء «ديون: الجزء الثالث» بالمستوى المتوقع، بينما يمثل مونجيو أخطر منافس فني بفضل «السعفة الذهبية». ويملك ماكدونا أفضل فرصة لبناء سردية «حان وقت التكريم»، فيما يبقى إيناريتو اسمًا قادرًا على اقتحام الصدارة بمجرد أن يثبت «ديغر» نفسه.
أما آيزنبرغ، فيحتاج إلى مفاجأة نقدية حقيقية حتى ينتقل من خانة الاحتمال إلى المنافسة الجادة.
لذلك تبدو المعادلة الحالية على النحو التالي:
ـ نولان يملك الزخم.
ـ فيلنوف يملك المشروع.
ـ مونجيو يملك السعفة.
ـ ماكدونا يملك السردية.
ـ وإيناريتو يملك الخبرة الأوسكارية.
ومن بين هذه الأوراق، يظل نولان الأكثر اكتمالًا في الوقت الراهن.
وإذا لم يظهر فيلم يقلب المشهد خلال الخريف، فإن «الأوديسة» قد لا تكون فقط أحد المرشحين لأفضل فيلم، بل قد تمنح نولان فرصة نادرة، أن يتحول فوزه الأول بـ«أوبنهايمر» من ذروة مسيرة طويلة إلى بداية مرحلة جديدة يصبح فيها اسمه، مرة أخرى، معيارًا لما تستطيع السينما التجارية الطموحة أن تفعله.






