مهرجانات

«نازا» وثائقي وحيد عن غزة ينافس على أسد «فينيسيا» الذهبي

فيلم ذو طابع سياسي لمخرجي «لا أرض أخرى»

روما ـ خاص «سينماتوغراف»

أكمل مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي قائمة المسابقة الرسمية لدورته الثالثة والثمانين بإضافة الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA)، من إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور، ليصبح العمل الوثائقي الوحيد بين الأفلام الـ21 المتنافسة على جائزة الأسد الذهبي.

ومن المقرر أن يشهد المهرجان عرضه العالمي الأول في 10 سبتمبر المقبل.

ويأتي اختيار «نازا» في امتداد لمسار سينمائي ارتبط بتوثيق القضية الفلسطينية وتفكيك آليات العنف والاقتلاع.

فالمخرجان أبراهام وزور كانا اثنين من أربعة مخرجين شاركوا في إنجاز الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى» (No Other Land)، الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025، بعد أن تابع واقع التهجير وتدمير التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية.

من «لا أرض أخرى» إلى غزة

في «لا أرض أخرى»، جاءت الكاميرا قريبة من حياة الفلسطينيين اليومية، تراقب تهديد الهدم والتهجير من داخل المكان نفسه. أما «نازا» فينتقل إلى مساحة مختلفة من الرصد، محاولاً الاقتراب من الأنظمة والآليات التي تحكم عمليات القصف وسقوط المدنيين في غزة، وفق وصف المهرجان.

وصُوّر الفيلم ليلاً من فوق أسطح مدينة تل أبيب، في معالجة بصرية تقوم على المسافة والمراقبة أكثر من المواجهة المباشرة مع صور الحرب.

ومن هذه النقطة، يسعى العمل إلى تحويل المشهد البعيد إلى مدخل لفهم منظومة عسكرية وسياسية أوسع، بحيث تصبح الصورة وسيلة لتتبع ما يحدث خلف الأرقام والأخبار اليومية.

عنوان الفيلم يكشف دلالته

يحمل عنوان «نازا» دلالة مرتبطة بالمصطلحات العسكرية التي يتناولها الفيلم، إذ يشير إلى اختصار تستخدمه الاستخبارات الإسرائيلية، بحسب التحقيقات التي يستند إليها العمل، في سياق تقدير أعداد الضحايا المدنيين المتوقعة خلال الغارات.

ولا يكتفي الفيلم، وفق المعلومات المنشورة عنه، بتسجيل نتائج الحرب، بل يحاول تفكيك الأنظمة التي تقف خلف استهداف المدنيين، مستنداً إلى تحقيقات صحافية نُشرت بين عامي 2023 و2025 من جانب مجلة «+972» وموقع «Local Call» و«الغارديان».

وهنا تكمن خصوصية المشروع سينمائياً؛ إذ لا يبدو اهتمام المخرجين منصباً على إعادة إنتاج صور الحرب المألوفة، بقدر ما يركز على السؤال الذي يلي الصورة، كيف تتحول القرارات العسكرية والبيانات والأنظمة التكنولوجية إلى نتائج بشرية ملموسة؟، وكيف يمكن للسينما أن تجعل البنية غير المرئية للعنف قابلة للرؤية؟.

«الغارديان» تدخل الإنتاج السينمائي

ينتج «نازا» صحيفة «الغارديان» بالتعاون مع المنتج جيمس ويلسون، فيما يتولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر الإنتاج التنفيذي.

ويأتي هذا التعاون امتداداً لفريق إبداعي سبق أن ارتبط بفيلم «منطقة الاهتمام» (The Zone of Interest)، الذي حصد أوسكار أفضل فيلم دولي وأفضل فيلم وثائقي؟

ويكتسب حضور غليزر وويلسون أهمية إضافية من مشاركتهما سابقاً في إنتاج فيلم «صوت هند رجب» (The Voice of Hind Rajab)، الذي نافس في فينيسيا العام الماضي وحصل على جائزة الأسد الفضي، ليواصل المهرجان بذلك استقبال أعمال تتناول الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية.

صحافة التحقيق تتحول إلى سينما

يمثل «نازا» نموذجاً متزايد الحضور للسينما الوثائقية التي تتقاطع مع الصحافة الاستقصائية. فالمشروع لا ينطلق فقط من شهادة فردية أو أرشيف بصري للحرب، وإنما يبني مادته على تحقيقات صحافية تناولت أنظمة الاستهداف والعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.

ويمنح هذا التقاطع الفيلم بعداً مختلفاً؛ إذ تصبح الوثيقة الصحافية مادة أولية لإعادة تركيب الأحداث سينمائياً، بينما تمنح الصورة للمعلومات الجافة سياقاً إنسانياً وبصرياً. وفي هذه المعادلة، لا يكتفي الوثائقي بتسجيل الحدث، وإنما يحاول مساءلة اللغة التي يُقدَّم بها، والآليات التي تجعل العنف قابلاً للإدارة والحساب.

كما أن اختيار التصوير من أسطح تل أبيب بدلاً من الاعتماد الكامل على الصور القادمة من داخل غزة يخلق مفارقة بصرية لافت، الحرب تقع بعيداً عن الكاميرا، لكن آثارها وأسئلتها تحاصر المدينة التي تُراقب من فوقها. وهي مسافة تسمح للفيلم بتحويل المكان نفسه إلى جزء من حجته السينمائية.

فينيسيا يمنح الفيلم منصة عالمية

يأتي إدراج «نازا» في المسابقة الرسمية في وقت يحتفظ فيه الملف الفلسطيني بحضور قوي في برامج المهرجانات الكبرى.

ويعيد الفيلم إلى مسابقة فينيسيا سؤال العلاقة بين السينما والواقع السياسي، خصوصاً بعدما أصبح عدد من الأعمال التي تناولت غزة والاحتلال حاضراً بقوة في النقاش السينمائي الدولي.

ومن المنتظر أن يُعرض «نازا» في القاعة الكبرى بقصر السينما في 10 سبتمبر، بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «الغارديان» وأعضاء الوفد الرسمي للفيلم.

ويضع هذا الحضور العمل أمام لجنة تحكيم مهرجان فينيسيا وجمهور دولي، في اختبار يتجاوز القيمة السياسية لموضوعه إلى أدواته السينمائية، كيفية بناء السرد، وإدارة المسافة بين الضحية والصورة، وتحويل المادة الصحافية إلى لغة بصرية، والأهم قدرة الوثائقي على تقديم رواية متماسكة من دون أن يفقد تعقيد الواقع الذي يتناوله.

سباق الأسد الذهبي يبدأ من غزة

وبوصفه الوثائقي الوحيد في المسابقة الرسمية، يدخل «نازا» سباقاً استثنائياً وسط مجموعة من الأفلام الروائية التي يقدمها مخرجون من اتجاهات سينمائية متعددة. وسيكون عرضه في 10 سبتمبر أحد أبرز محطات الدورة، خصوصاً مع ارتباط اسمه بصناع «لا أرض أخرى» وبفريق «منطقة الاهتمام».

ولا تكمن أهمية «نازا» في موضوعه السياسي فحسب، بل في محاولته تحويل مادة شديدة التعقيد إلى تجربة سينمائية تبحث في العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة والصورة والإنسان.

ومن هذه الزاوية، يصبح دخول الفيلم إلى المنافسة الرسمية في فينيسيا حدثاً يتجاوز مجرد إضافة عنوان جديد إلى البرنامج، ليؤكد مجدداً قدرة الوثائقي على الوصول إلى قلب النقاش السينمائي العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى