مراجعات فيلمية

«مذكرات ناغي» لـ كوجي فوكادا.. التحرر وسط عزلة الريف الياباني

المخرج الياباني يصنع تأملًا إنسانيًا بالغ الرقة

كان ـ  خاص «سينماتوغراف»

ضمن المسابقة الرسمية لـمهرجان كان السينمائي 79، يعود المخرج الياباني كوجي فوكادا بفيلمه الجديد «مذكرات ناغي ـ Nagi Notes»، في عمل هادئ ومتأمل يبتعد عن الدراما الصاخبة لصالح سينما تنبض بالتفاصيل الصغيرة والمشاعر الخافتة.

ومن خلال حكاية تدور داخل بلدة ريفية شبه معزولة، يقدم فوكادا واحدًا من أكثر أفلامه نضجًا وإنسانية، مستكشفًا معنى الانتماء، والحرية الشخصية، والقدرة على التصالح مع الذات بعيدًا عن ضوضاء المدن الكبرى.

يفتتح الفيلم مشاهده بوصول “يوري”، المهندسة المعمارية الأنيقة التي تؤدي دورها شيزوكا إيشيباشي، إلى بلدة ناغي الصغيرة، حيث تلتقي بالمراهق الفضولي “كيتا”، قبل أن تُقاد إلى منزل “يوريكو”، التي تؤدي دورها تاكاكو ماتسو، زوجة شقيقها السابقة.

ومنذ اللحظات الأولى، يخلق الفيلم تباينًا بصريًا وإنسانيًا واضحًا بين عالم المدينة المنظم الذي جاءت منه يوري، والعالم الريفي البسيط الذي اختارت يوريكو العيش داخله.

تعيش يوريكو حياة هادئة تدير خلالها مزرعة ألبان صغيرة، بينما تمارس شغفها بالنحت وصناعة المجسمات الفنية.

لكن فوكادا لا يقدمها كشخصية رومانسية حالمة تهرب من العالم، بل كامرأة وجدت طريقتها الخاصة لفهم الحياة والتصالح معها.

وعندما تطلب من يوري أن تكون عارضة لأعمالها الفنية، تبدأ العلاقة بين المرأتين بالتشكل تدريجيًا، ليس فقط بوصفها صداقة، بل كحوار عميق بين نمطين مختلفين للحياة.

ينجح الفيلم في تحويل “ناغي” إلى شخصية قائمة بذاتها. البلدة تبدو ساكنة ومعزولة، لكنها مليئة بالتفاصيل الحية، التقارير الإذاعية اليومية، أصوات التدريبات العسكرية البعيدة، الأمطار المفاجئة، ومتجر الفن المعاصر الذي يبدو غريبًا وسط هذا الهدوء الريفي. كل عنصر هنا يرسخ شعورًا بأن الزمن يتحرك ببطء، وأن العالم الخارجي بكل صخبه يبدو بعيدًا وغير حقيقي.

وخلال إقامة يوري الطويلة، يوسع الفيلم دائرته الإنسانية عبر شخصيتي “كيتا” و“هاروكي”، الشابين اللذين يمثلان جيلًا يبحث عن ذاته داخل بيئة تبدو مغلقة ظاهريًا.

أحدهما فنان ناشئ مهووس بأعمال إدوارد هوبر، والآخر ابن عسكري يعيش حالة من القلق والارتباك الداخلي، ومن خلالهما، يطرح فوكادا أسئلة دقيقة حول الهوية والرغبة والقدرة على التعبير عن النفس داخل مجتمع محافظ وهادئ.

لكن ما يمنح “مذكرات ناغي” تميزه الحقيقي هو رفضه الوقوع في فخ النوستالجيا السطحية. فالفيلم لا يمجد الريف بوصفه جنة مفقودة، ولا يهاجم المدينة باعتبارها مصدرًا للاغتراب، بل يتعامل مع الحياة بوصفها تجربة شخصية معقدة، حيث يمكن للإنسان أن يشعر بالوحدة في أي مكان، أو أن يجد سلامه الداخلي في أبسط البيئات.

ويبدو واضحًا أن فوكادا يتعامل مع شخصية يوريكو بحب خاص، فكاميرته تتأمل تفاصيل عملها الفني كما لو كانت امتدادًا لفلسفته السينمائية. عملية تشكيل الطين تتحول إلى استعارة عن إعادة تشكيل الذات، وعن الفن باعتباره وسيلة لفهم البشر لا للهروب منهم. وحتى اللحظات اليومية العابرة، مثل البحث عن بقرة ضائعة وسط عاصفة، تحمل حساسية شاعرية نادرة.

سينمائيًا، يعتمد الفيلم على إيقاع بطيء وتأمل بصري طويل، لكنه بطء واعٍ ومقصود، يشبه رحلة قطار تكشف تدريجيًا جمال المناظر المحيطة.

لا يسعى فوكادا إلى الإدهاش المباشر، بل إلى بناء شعور داخلي متراكم، يجعل تأثير الفيلم يستمر بعد نهايته بوقت طويل.

كما يُحسب للفيلم تقديمه معالجة إنسانية هادئة وغير مباشرة لقضايا الهوية والتنوع، بعيدًا عن الخطابات الصريحة أو الاستعراض الميلودرامي. فكل شيء هنا يُقال بالهمس، بالنظرات، بالصمت، وبالمساحات الفارغة التي تترك للمشاهد فرصة التأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى