«الفراولة» يكشف الوجه الخفي لاستغلال النساء في حقول إسبانيا
ليلى مراكشي ترسم وجع العاملات المغربيات المهاجرات بمرارة

كان ـ خاص «سينماتوغراف»
تعود المخرجة المغربية ليلى مراكشي إلى السينما الروائية الطويلة بعد غياب امتد لأكثر من عقد، عبر فيلمها الجديد «الفراولة، أو الأكثر حلاوة العنوان الإسباني، أو توت الأرض العنوان العربي»، المعروض ضمن قسم «نظرة ما»، مقدّمة واحدًا من أكثر الأفلام الإنسانية والسياسية قسوة في الدورة الحالية، عبر دراما اجتماعية تكشف الوجه الخفي لاستغلال العاملات الموسميات المغربيات داخل مزارع جنوب إسبانيا.
بعيدًا عن الرومانسية الخفيفة التي صنعت شهرتها في «ماروك»، أو الدراما العائلية في «روك ذا كاسبا»، تتجه مراكشي هنا نحو منطقة أكثر خشونة وواقعية، حيث يتحول الجسد الأنثوي إلى مساحة للاستغلال الاقتصادي والابتزاز الجنسي، داخل نظام عمل هشّ يقوم على الخوف والصمت والطاعة.
تدور الأحداث حول حسناء، التي تؤديها ببراعة لافتة نسرين الراضي، وهي امرأة مغربية في الثلاثينيات تغادر بلدها للعمل في قطف الفراولة قرب مدينة هويلفا الإسبانية، بعد أن أخفت ماضيها الجنائي أملاً في الحصول على فرصة تعيد لها حضانة ابنها.
تصل حسناء إلى المزرعة برفقة صديقتها مريم، لتجد نفسها داخل عالم مغلق تحكمه قوانين غير مكتوبة، حيث تتقاطع الحاجة الاقتصادية مع سلطة أرباب العمل الذكورية، ويتحول الصمت إلى وسيلة للبقاء.

منذ اللحظات الأولى، تبني مراكشي عالمًا مشبعًا بالتهديد. البيوت البلاستيكية الخانقة، الحرارة المرتفعة، السكن المكتظ، والرقابة المستمرة، كلها عناصر تمنح الفيلم توترًا دائمًا حتى قبل انفجار الحدث الرئيسي.
وعندما تتعرض مريم لاعتداء جنسي من صاحب العمل الإسباني إيفان، ينتقل الفيلم من دراما اجتماعية هادئة إلى مواجهة أخلاقية وقانونية مع منظومة كاملة تقوم على استغلال النساء المهاجرات.
لا تتعامل مراكشي مع القضية بوصفها خطابًا مباشرًا أو فيلمًا دعائيًا، بل تبني سردها بحس إنساني شديد الدقة، كاشفة كيف تُجبر النساء على التفاوض يوميًا بين الكرامة والحاجة، وبين النجاة الشخصية والتضامن الجماعي.
فالفيلم لا يدين المعتدي فقط، بل يفضح أيضًا النظام الأبوي الذي يحميه، سواء عبر الخوف، أو الصمت، أو التشكيك المستمر في الضحايا.

وتنجح المخرجة في رسم شخصيات نسائية معقدة بعيدة عن التنميط؛ فحسناء ليست بطلة مثالية، بل امرأة متناقضة، أنانية أحيانًا، غاضبة، ومشحونة بالرغبة في النجاة الفردية، قبل أن تجد نفسها مضطرة لمواجهة الظلم دفاعًا عن امرأة أخرى.
وهذا ما يمنح الفيلم صدقه الحقيقي، حيث تتحول العلاقة المتوترة بينها وبين مريم تدريجيًا إلى رابطة تضامن إنسانية مؤثرة.
ويُعد أداء نسرين الراضي القلب النابض للفيلم؛ إذ تقدم شخصية قوية ومكسورة في آن واحد، قادرة على إظهار القسوة والضعف معًا، بينما تنجح هاجر غريغا في منح مريم هشاشة مؤلمة تزداد قسوة مع تصاعد الأحداث.
كما تضيف إيتساسو أرانا حضورًا مهمًا بدور المحامية الإسبانية التي تحاول مساعدة العاملات، رغم إدراك الفيلم نفسه لتعقيدات دورها وحدود “النشاط الحقوقي” القادم من خارج التجربة.
بصريًا، يعتمد الفيلم على تصوير واقعي خانق من مدير التصوير تريستان غالاند، حيث تتحول حقول الفراولة إلى فضاء قاسٍ ومغلق، يفيض بالألوان الحمراء التي تكتسب معاني متعددة: الفاكهة، الدم، الرغبة، والخطر.
وتستخدم مراكشي اللون الأحمر بذكاء بصري مستمر، كرمز للأنوثة التي تُستهلك وتُقمع في الوقت نفسه.
ورغم أن الفصل الأخير يبدو متسرعًا نسبيًا في انتقاله إلى أروقة المحاكم والإجراءات القانونية، فإن الفيلم يحافظ على قوته الأخلاقية والإنسانية حتى النهاية، خصوصًا في رفضه تقديم حلول مريحة أو انتصارات واضحة.
فـ«الفراولة» لا يقدم عدالة كاملة، بل يترك شخصياته معلقة داخل واقع لا يزال قائمًا، حيث تبقى المقاومة نفسها فعلًا هشًا لكنه ضروري.
في النهاية، تنجح ليلى مراكشي في تقديم عمل سينمائي غاضب وحساس في آن واحد، فيلم عن النساء اللواتي يُجبرن على التضحية بأجسادهن مقابل فرصة للبقاء، وعن التضامن بوصفه السلاح الوحيد الممكن داخل عالم لا يعترف بالضعفاء.
«الفراولة» ليس مجرد دراما اجتماعية عن الهجرة والعمل الموسمي، بل صرخة سينمائية حادة ضد الاستغلال والصمت والخوف.






