ذاكرة السينما | ثلاثية صنعت أيقونة الفلّاحة المصرية
«الحرام» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف»

«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل
لا يمكن قراءة تاريخ السينما المصرية بمعزل عن تحولات المجتمع الذي خرجت منه.
فمنذ خمسينات القرن الماضي، لم تكن الشاشة الكبيرة مجرد مرآة للواقع، بل أصبحت ساحة لمساءلة البنية الاجتماعية، وكشف علاقات القوة، وإعادة تعريف موقع المرأة داخلها.
وبين عشرات الأفلام التي تناولت الريف المصري، برزت ثلاثة أعمال صنعت ما يشبه ثلاثية غير معلنة عن المرأة الفلّاحة؛ تبدأ بـ«الحرام»، وتمر بـ«الزوجة الثانية»، وتنتهي بـ«شيء من الخوف».
وهي ثلاثية لا تجمعها وحدة المكان فحسب، بل وحدة السؤال: كيف تتحول المرأة من موضوع للاضطهاد إلى فاعل في صناعة التغيير؟
في «الحرام»، الذي أخرجه هنري بركات عن رواية يوسف إدريس، تبدو المرأة أسيرة منظومة اجتماعية واقتصادية لا تملك أمامها سوى الصمت.
عزيزة، التي جسدتها فاتن حمامة بأداء رائع وإحساس متميز، ليست بطلة بالمعنى التقليدي، بل ضحية لعالم يفرض سلطته على الجسد والفقر والكرامة في آن واحد. هنا لا يبحث الفيلم عن مذنب فردي، بقدر ما يدين بنية كاملة تجعل الخطيئة الاجتماعية أكبر من الخطيئة الشخصية، وتحول الضحية إلى متهمة.
كان بركات يقترب من الشخصية بكاميرا تتسم بالهدوء والإنصات، تاركاً للمشهد أن يبوح بما تعجز عنه الكلمات.
ولذلك ظل «الحرام» واحداً من أكثر الأفلام المصرية قدرة على تحويل المأساة الفردية إلى سؤال أخلاقي يتعلق بالمجتمع بأسره.
بعده بعام واحد تقريباً، جاء صلاح أبو سيف في «الزوجة الثانية» ليقدم مرحلة جديدة في تطور صورة المرأة الريفية.
لم تعد فاطمة، التي أدتها سعاد حسني، مجرد ضحية تنتظر التعاطف، بل أصبحت طرفاً في مواجهة سلطة الإقطاع، ممثلة في العمدة الذي يسعى إلى الاستيلاء على حياتها باسم النفوذ والقانون والعرف.
ورغم أن الفيلم ينتمي إلى الواقعية التي رسخها أبو سيف، فإنه لا يكتفي بتسجيل الظلم، بل يمنح شخصياته إرادة المقاومة.
ومن خلال العلاقة بين الفلاحين والسلطة المحلية، تصبح قصة الزواج القسري استعارة عن صراع مجتمع كامل مع منظومة الاستبداد، فيما تتحول فاطمة إلى صوت يرفض أن يُختزل في كونه ضحية.
أما في «شيء من الخوف»، الذي أخرجه حسين كمال عن قصة ثروت أباظة، فإن التحول يبلغ ذروته. لم تعد المرأة تدافع عن نفسها فقط، بل أصبحت المحرك الأساسي لفعل التمرد.
فؤادة، التي أدتها شادية في واحد من أهم أدوارها، لا تواجه عتريس دفاعاً عن مصيرها الشخصي فحسب، وإنما تكسر حاجز الخوف الذي شل القرية بأكملها.
ولعل قوة الفيلم تكمن في أن الثورة لا تبدأ بالسلاح، بل بكلمة الرفض. فحين تعلن فؤادة موقفها، تتحول من شخصية داخل الحدث إلى ضمير جماعي، وتصبح الشرارة التي تدفع الآخرين إلى استعادة إرادتهم.
ولهذا تجاوز الفيلم حدود الحكاية الريفية، ليُقرأ بوصفه نصاً سياسياً عن العلاقة بين السلطة والخضوع، وبين الخوف والحرية.
ورغم اختلاف أساليب هنري بركات وصلاح أبو سيف وحسين كمال، فإن الأفلام الثلاثة تشترك في أنها لم تنظر إلى المرأة بوصفها عنصراً مكملاً للحكاية، بل جعلتها مركزها الأخلاقي والدرامي. كما أنها ربطت تحرر المرأة بتحولات المجتمع نفسه، في مرحلة كانت مصر تعيد فيها رسم علاقتها بالأرض والسلطة والعدالة الاجتماعية، منذ أفول الإقطاع وصولاً إلى ما بعد ثورة يوليو.
ولم يكن اختيار فاتن حمامة وسعاد حسني وشادية مجرد رهان على ثلاث نجمات كبيرات، بل كان اختياراً لثلاث مدارس مختلفة في الأداء.
فقد منحت فاتن الشخصية عمقها الإنساني الصامت، بينما أضفت سعاد حسني على فاطمة مزيجاً من البراءة والإصرار، في حين جسدت شادية شخصية فؤادة بقوة داخلية جعلتها رمزاً للمقاومة المدنية في السينما المصرية.
ولا تبدو المكانة التي يحتلها كل من «الحرام» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف» في قائمة أفضل مئة فيلم مصري، التي أعدها نقاد السينما عام 1996 بمناسبة مئوية السينما المصرية، مجرد اعتراف بقيمتها الفنية، بل تأكيداً لقدرتها على تجاوز زمن إنتاجها.
فما زالت هذه الأعمال تُقرأ حتى اليوم بوصفها وثائق جمالية واجتماعية، سجلت لحظة مفصلية في تاريخ الريف المصري، وأعادت صياغة صورة الفلّاحة من كائن يتحمل قسوة الواقع إلى شخصية تمتلك الوعي والإرادة والقدرة على تغيير مصيرها.
وبهذا المعنى، لا تمثل هذه الأفلام مجرد كلاسيكيات خالدة، بل فصولاً متكاملة في تطور الوعي السينمائي بصورة المرأة المصرية؛ رحلة تبدأ بالصمت، مروراً بالمقاومة، وتنتهي بالفعل الثوري، لتؤكد أن السينما، في أفضل تجلياتها، لا تكتفي بعكس المجتمع، بل تسهم في إعادة تخيل مستقبله.






