«المجهول» .. آرثر هاراري يصنع لغزًا نفسيًا يُربك أكثر مما يُدهش
ليا سيدو تمنح فكرة تبادل الأجساد صدقها الإنساني

كان ـ خاص «سينماتوغراف»
يخوض المخرج الفرنسي آرثر هاراري مغامرة سينمائية شديدة الطموح في فيلمه الجديد «المجهول ـ The Unknown»، الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ79 من مهرجان كان السينمائي، مقدّمًا مزيجًا معقدًا من الرعب النفسي، والغموض الوجودي، وأفكار الهوية والانفصال عن الذات، في عمل يثير الإعجاب بجرأته الفكرية، لكنه يتعثر أحيانًا تحت ثقل غموضه المفرط.
الفيلم، الذي يحمل بصمة سينما المؤلف الأوروبية بكل وضوح، ينطلق من فرضية تبدو مألوفة ظاهريًا، لكنها تتحول تدريجيًا إلى لعبة سردية متشابكة حول تبادل الأرواح عبر العلاقة الجنسية، حيث يستيقظ الأشخاص بعد لحظات الحميمية داخل أجساد شركائهم، تاركين خلفهم هويات ممزقة وأجسادًا لم تعد تخصهم.
ورغم أن الفكرة قد تستحضر مباشرة فيلم It Follows، فإن هاراري لا يسعى إلى تقديم نسخة فرنسية من سينما الرعب التقليدية، بل يستخدم هذا “اللعن” الجسدي كمدخل للتأمل في معنى الهوية، والاغتراب، والخوف من فقدان الذات بصورة نهائية.
في قلب هذه المتاهة تقف النجمة الفرنسية ليا سيدو، التي تمنح الفيلم ثقله العاطفي والإنساني، عبر أداء بالغ الحساسية والتوتر الداخلي.
فبعد ليلة عابرة مع المصور الانطوائي ديفيد زيمرمان، تستيقظ إيفا لتكتشف أنها لم تعد داخل جسدها، بل أصبحت سجينة جسد الرجل الذي قضت معه الليلة السابقة.
ومن هنا تبدأ رحلة مرعبة لاكتشاف حقيقة الظاهرة، وتعقب الضحايا السابقين، ومحاولة فهم القوانين الغامضة التي تتحكم بهذا الكابوس الوجودي.
ينجح الفيلم في نصفه الأول في خلق حالة من التشويق والقلق المتصاعد، إذ يتعامل هاراري مع فكرته ببطء محسوب، معتمدًا على كشف تدريجي للمعلومات، ومستخدمًا الفلاش باك لإعادة تشكيل الشخصيات والهويات بصورة متواصلة.
لكن مع اتساع شبكة الأحداث وتعقد انتقالات الأرواح بين الأجساد، يصبح السرد أكثر ارتباكًا وأقل إحكامًا، إلى درجة يشعر معها المشاهد أحيانًا بأنه تائه داخل متاهة مفاهيمية لا يمتلك الفيلم نفسه مفاتيحها الكاملة.
ورغم ذلك، يبقى «المجهول» عملاً غنيًا بالأفكار المثيرة. فالفيلم لا يكتفي بتقديم لغز خيالي، بل يطرح أسئلة عميقة حول الجسد بوصفه وعاءً هشًا للهوية، وحول العلاقة بين الرغبة والموت، والزمن والتحول، وحتى مفهوم “اللاعودة”، الذي يتردد بصريًا وفلسفيًا طوال الأحداث.
ويستثمر هاراري خلفية بطله كمصور فوتوغرافي يوثق آثار الماضي داخل باريس الحديثة، ليبني استعارة ذكية عن الزمن، وعن المدن والأشخاص الذين لا يمكنهم أبدًا العودة إلى حالتهم الأصلية.
كما يحمل الفيلم في طبقاته الخفية تأملات حول التحول الجندري، والانفصال النفسي، والانتحار، والخوف من الذوبان داخل هوية أخرى.
بصريًا، يعتمد مدير التصوير توم هاراري على صورة قاتمة وحبيبية تمنح باريس مظهرًا غريبًا ومهجورًا، أقرب إلى مدينة أشباح نفسية منها إلى العاصمة الرومانسية المعتادة.
كما تحضر ظلال سينما ديفيد لينش وجاك ريفيت في المزاج البصري والسردي، خاصة في اللعب على ازدواجية الهوية، والانتقالات الحلمية، والتشكيك المستمر في حقيقة ما نراه.
لكن الفيلم يعاني في المقابل من إيقاع مترهل نسبيًا، ورغبة مفرطة في التعقيد، إضافة إلى موسيقى تصويرية تضغط على المشاهد بنبرة ثقيلة ومتعمدة أكثر من اللازم.
كما أن النهاية الغامضة، رغم انسجامها مع طبيعة العمل، تبدو أقل تأثيرًا مما ينبغي، وكأن الفيلم يفضل الإبقاء على أسئلته معلقة بدلًا من الوصول إلى ذروة درامية حقيقية.
ومع ذلك، فإن «المجهول» يبقى تجربة سينمائية طموحة ومختلفة داخل المسابقة الرسمية، وفيلمًا يثير التفكير أكثر مما يقدم المتعة التقليدية.
ورغم تعثره في السيطرة الكاملة على أفكاره المعقدة، فإنه يكشف عن مخرج يمتلك خيالًا بصريًا وفلسفيًا واضحًا، وعن أداء استثنائي من ليا سيدو، التي تمنح هذا العالم المربك صدقه الإنساني الوحيد.






