«المحبوب» آداء مذهل لـ خافيير بارديم .. (أب يلتهم ابنته أمام الكاميرا)
رودريغو سوروغوين يفضح سموم السلطة داخل السينما

كان ـ خاص «سينماتوغراف»
في فيلمه الجديد « المحبوب، The Beloved» — يقدّم المخرج الإسباني رودريغو سوروغوين واحدًا من أكثر أفلام المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي توترًا وجرأة، عبر دراما عائلية تتحول تدريجيًا إلى معركة نفسية شرسة بين أب وابنته، وبين الفن والسلطة، وبين الحب والتلاعب.
الفيلم، الذي يقوده أداء مذهل من خافيير بارديم، لا يتعامل مع السينما كمساحة للإبداع فقط، بل كساحة عنف خفي تُمارس فيها الهيمنة تحت غطاء العبقرية الفنية.
ومنذ مشاهده الأولى، يضعنا سوروغوين داخل عالم خانق تسوده المجاملات والخوف والتقديس المرضي للمخرج “العبقري”، بينما الجميع يعلم في قرارة نفسه أن هذا الرجل مدمر وسامّ.
إستيبان مارتينيز، المخرج الإسباني الأسطوري، يبدو في العلن فنانًا محترمًا وصاحب إرث سينمائي كبير، لكن الفيلم يجرّده تدريجيًا من هالته ليكشف رجلًا أنانيًا، متقلبًا، ومدمنًا على السيطرة.
وعندما يقرر منح ابنته إميليا بطولة فيلمه الجديد، لا يبدو الأمر تصالحًا عائليًا بقدر ما يبدو محاولة لإعادة كتابة الماضي بشروطه الخاصة.
المشهد الافتتاحي الطويل داخل المطعم — والذي يمتد قرابة عشرين دقيقة — من أفضل ما قدّمه سوروغوين في مسيرته.
الكاميرا لا تتوقف عن مراقبة الوجوه المرتبكة، الصمت الثقيل، والابتسامات المصطنعة.
الحوار هنا ليس مجرد مواجهة بين أب وابنته، بل تفكيك كامل لعلاقة قائمة على العنف النفسي القديم. كل كلمة تحمل تاريخًا من الإذلال، وكل نظرة تبدو كأنها محاولة لتجنب انفجار مؤجل.
تؤدي فيكتوريا لونغو شخصية إميليا بذكاء شديد وهدوء مؤلم. لا تلعب دور الضحية التقليدية، بل امرأة تعرف جيدًا طبيعة الرجل الجالس أمامها، وتحاول التعايش مع تناقض مرير، حاجتها المهنية إليه، وخوفها منه في الوقت ذاته. أداء لونغو قائم على الكتمان، على النظرات القصيرة والتردد والصمت، بينما يقدّم بارديم أداءً ناريًا متوحشًا، يكاد يبتلع كل من حوله داخل الكادر.
ومثلما يتحدث الفيلم عن التلاعب العاطفي، فإن أسلوبه البصري نفسه قائم على عدم الاستقرار.
ينتقل سوروغوين بشكل مفاجئ بين الأبيض والأسود والألوان، ويبدل نسب العرض وأنواع التصوير بصورة تبدو عبثية في البداية، قبل أن تتضح فكرتها لاحقًا، الحقيقة هنا ليست ثابتة، بل متغيرة وممزقة مثل ذاكرة الشخصيات نفسها.
مدير التصوير أليكس دي بابلو يصنع صورًا شديدة القلق والاختناق، فيما تبدو الكاميرا أحيانًا كأنها تتجسس على الشخصيات لا تصوّرها.

الجزء الأكثر قسوة في الفيلم يأتي داخل موقع التصوير نفسه، حين يتحول إستيبان إلى طاغية كامل.
يصرخ، يهين، يضغط نفسيًا على الممثلين، ويتعامل مع الجميع باعتبارهم أدوات داخل رؤيته الفنية.
أحد أفضل المشاهد — وأكثرها توترًا وسخرية سوداء — يدور أثناء تصوير عشاء عائلي، حين يدخل إستيبان في نوبة غضب هستيرية لأن الممثلين “لا يمضغون الطعام بالشكل الصحيح”.
المشهد يبدأ مضحكًا، ثم يتحول تدريجيًا إلى حالة إذلال جماعي خانقة تنتهي بانهيار طفل صغير ومواجهة قاسية مع ابنته. هنا يبلغ الفيلم ذروته الأخلاقية والإنسانية.
ما يفعله سوروغوين بذكاء هو أنه لا يقدم إستيبان كوحش كاريكاتوري، بل كرجل اعتاد لسنوات أن يُكافأ على سلوكه السام لأن الجميع يعتبره “عبقريًا”.
الفيلم يفضح ثقافة كاملة داخل صناعة السينما، ثقافة كانت تمنح المخرج سلطة مطلقة فوق البشر والمشاعر والأخلاق.
ومن الواضح أن العمل يتقاطع مباشرة مع الأسئلة التي فجرتها حركة #MeToo حول العنف النفسي واستغلال النفوذ داخل مواقع التصوير.

ورغم طول الفيلم الذي يتجاوز الساعتين، فإن سوروغوين ينجح غالبًا في الحفاظ على توتره الداخلي بفضل مشاهده الممتدة وإيقاعه العصبي.
صحيح أن بعض المقاطع تبدو متباطئة ومغرقة في الاستعراض البصري، لكن القوة العاطفية للأداءات تمنح الفيلم ثقله الحقيقي.
«المحبوب» ليس فيلمًا عن السينما فقط، بل عن السلطة حين تختبئ خلف الفن، وعن الآباء الذين يطلبون الحب بعدما دمّروا أبناءهم، وعن الجروح التي لا تُشفى حتى لو أُعيد تمثيلها أمام الكاميرا عشرات المرات.
إنه واحد من أكثر أفلام المسابقة هذا العام شراسة ونضجًا، وفيلم يؤكد أن رودريغو سوروغوين أصبح اليوم من أهم الأصوات السينمائية الأوروبية المعاصرة.






