مراجعات فيلمية

«الوطن» .. بافل بافليكوفسكي يرسم سقوط أوروبا بالأبيض والأسود

مرثية بصرية تحول التاريخ إلى جرح حي

كان ـ  خاص «سينماتوغراف»

يعود المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي إلى عالمه السينمائي المفضل بفيلم الوطن ـ FATHERLAND، العمل الذي يؤكد مجددًا مكانته كواحد من أكثر صناع السينما الأوروبية حساسيةً ودقةً في التعامل مع الذاكرة والتاريخ والهوية.

بعد «إيدا» و«الحرب الباردة»، يواصل بافليكوفسكي استكشاف أوروبا الجريحة، لكن هذه المرة عبر رحلة وجودية تتقاطع فيها السياسة بالعائلة، والفكر بالألم الشخصي، في فيلم شديد الكثافة رغم زمنه القصير الذي لا يتجاوز 82 دقيقة.

تدور أحداث الفيلم عام 1949، حيث يعود الكاتب الألماني الحائز على نوبل توماس مان إلى ألمانيا المنقسمة بعد الحرب، برفقة ابنته إريكا، في رحلة تمتد من فرانكفورت الخاضعة للنفوذ الأمريكي إلى فايمار الواقعة تحت السيطرة السوفيتية. وبين مدن مدمرة وأنقاض ما بعد الحرب، تتحول الرحلة إلى مواجهة فلسفية مع فكرة الوطن ذاته: هل الوطن مكان؟ أم ذاكرة؟ أم عبء أخلاقي لا يمكن الهروب منه؟

يعتمد الفيلم على سيناريو بالغ التركيز، كتبه بافليكوفسكي بالتعاون مع هندريك هاندلوغتن، ليقدم حوارًا مستمرًا حول ألمانيا الجديدة وصراعها بين الرأسمالية والجماعية، وبين الشعور بالذنب والرغبة في إعادة البناء.

لكن قوة «الوطن» الحقيقية تكمن في أنه لا يتعامل مع التاريخ كخلفية جامدة، بل كجرح مفتوح يعيش داخل شخصياته ويعيد تشكيلها باستمرار.

بصريًا، يبدو الفيلم امتدادًا ناضجًا لعالم بافليكوفسكي الأبيض والأسود، حيث تتحول كل لقطة إلى مساحة للتأمل والحزن.

مدير التصوير لوكاس زال، شريك المخرج في «إيدا» و«الحرب الباردة»، يصنع صورًا آسرة تختلط فيها الظلال بالفراغات الصامتة، ليمنح المدن المدمرة والوجوه المتعبة حضورًا شعريًا أخاذًا.

هناك مشاهد كاملة تُروى عبر الصمت فقط، كما في لحظة جلوس توماس وإريكا داخل مبنى مهجور بينما يعزف موسيقي بعيد لحنًا حزينًا، في واحدة من أكثر لحظات الفيلم إنسانية وتأثيرًا.

ويبرهن الفيلم مرة أخرى على عبقرية ساندرا هولر، التي تقدم أداءً مذهلًا في دور إريكا مان. هولر لا تؤدي الشخصية بقدر ما تعيش داخل هشاشتها الداخلية؛ امرأة تحمل عبء العائلة وذكريات شقيقها الغائب كلاوس، وتحاول أن تبدو متماسكة وسط انهيار العالم من حولها. أداؤها يقوم على التوتر المكبوت والانفعالات المؤجلة، ما يجعل لحظات انفجارها العاطفي نادرة لكنها مدمرة.

إلى جانبها، يقدم هانز زيشلر أحد أفضل أدواره في السنوات الأخيرة، مجسدًا توماس مان كشخصية مثقلة بالإرث الفكري والقلق الأخلاقي.

زيشلر يمنح الشخصية حضورًا هادئًا لكنه نافذ، خاصة في المشاهد التي يناقش فيها معنى الوطن ومستقبل ألمانيا، حيث تتحول كلماته إلى تأملات وجودية عن أوروبا بأكملها.

ولا يغفل الفيلم عن بقية عناصره الفنية؛ فالموسيقى المستخدمة بعناية تمنح السرد إيقاعًا داخليًا مؤثرًا، بينما يحافظ المونتاج على توازن دقيق بين التأمل والدراما دون أي استعراض بصري زائد. كل شيء هنا محسوب بعناية: الكادرات، الصمت، النظرات، وحتى المسافات بين الشخصيات.

في «الوطن»، لا يصنع بافليكوفسكي فيلمًا تاريخيًا تقليديًا، بل مرثية سينمائية عن الانتماء والذاكرة والخسارة. إنه فيلم عن أمة تحاول إعادة تعريف نفسها بعد الكارثة، وعن أشخاص يدركون أن العودة إلى الوطن لا تعني بالضرورة العثور عليه.

وبين جماله البصري وعمقه الإنساني، يرسخ «الوطن» مكانته كأحد أهم أفلام مهرجان كان السينمائي 2026 وأكثرها نضجًا وتأملًا هذا العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى