مراجعات فيلمية

«حدوتة مصرية».. السينما كشظايا مرآة مكسورة

ذاكرة مخرج ينظر إلى حياته عبر الأفلام

«سينماتوغراف» ـ محمد الطناوي

ما إن خضع المخرج يحيى للتخدير، حتى انتقلت الكاميرا إلى داخل تجويفه الصدري، المصُمم كقاعة محكمة، حيث تظهر الضلوع كأعمدة وسقف للقاعة، بينما تدور محاكمة افتراضية للذات داخل القلب، يقودها يحيى الطفل ممثلًا براءة المخرج وأحلامه القديمة، ضد يحيى البالغ، متهمًا إياه بإهمال نفسه ومحاولة قتلها بالتدخين.

في هذا المشهد من حدوتة مصرية ليوسف شاهين، يقف يحيى أمام ذاته كما لو أنها شظايا مرآة مكسورة، يرى فيها ما كانه وما صار إليه في آن واحد. وليست المواجهة هنا اعترافًا ولا إدانة، بل انكشافًا بطيئًا لذات لا تستقر على صورة واحدة.

من هنا يبعث المشهد برسالة خافتة لكنها نافذة: الهوية ليست جوهرًا ثابتًا، بل حركة دائمة، تتكون وهي تتبدل، وتعيد كتابة نفسها مع كل مواجهة.

 هكذا يتحول الصراع إلى رحلة وعي، لا تستهدف الخلاص، ولا تفضي إلى أكثر من فهم هش وتصالح مؤقت مع ذات لا تكف عن التغير.

وبهذا لا يروي الفيلم الشاهيني قصة بالمعنى التقليدي للسرد، بل يؤسس فضاءً ذهنيًا تتحرك داخله عناصر مشتبكة مع بعضها البعض: ذاكرة مخرج ينظر إلى حياته عبر السينما، وجسد مريض يفرض إيقاعه الهش على الإدراك، وتاريخ سينمائي يعود لا بوصفه ماضيًا منجزًا، بل كأثر قلق، وتاريخ وطني يطفو كجرح ثقافي وسياسي لم يندمل.

في هذا الفضاء، يتراجع سؤال ماذا حدث؟ ليحل محله سؤال أكثر قسوة وعمقًا: كيف يتشكل الوعي وهو يواجه ذاته؟ غير أن الفيلم لا يطرح السؤال مباشرة أو عبر حوار فلسفي، إنما يجعل الصورة نفسها ساحة لهذا السؤال. فالوعي يولد من الصورة وينكشف داخلها، بدلًا من أن يسبقها.

لا تكون السينما بذلك وسيلة لرواية الوعي، بل المكان الذي يتكون فيه الوعي ويتصدع في آن واحد. فشاهين لا يعرض ذاتًا متماسكة، بل ذاتًا مشطورة على نفسها، من خلال مخرج يراقب صورته، ونسخة متخيلة منه، وجسد يئن تحت وطأة المرض، وذات تُقاد إلى المحاكمة. في هذا التشظي، يفقد الوعي مركزه، ويتحول إلى علاقة متوترة بين ذوات متعددة، ليغدو كيانًا يتشكل عبر انقسامه المستمر.

وتتجسد هذه الهشاشة في المحكمة الذهنية التي يعقدها شاهين، حيث لا تسير الأحداث نحو ذروة، ولا تُفضي الاتهامات إلى حكم نهائي. تتحول المحاكمة إلى صراع مفتوح ونزاع داخلي لا يُحسم، وأسئلة تتوالد من دون وعد بالإجابة. ويتبدى الوعي بذلك حركة شك دائمة لا هوية مستقرة.

 أما الذاكرة فلا تُستدعي تبعًا لإرادة السارد، إذ يقتحم الماضي الحاضر ويظهر بلا تمهيد، ويتكرر ذلك على نحو يشوه الإحساس بالزمن، بعد أن عزف الماضي عن الاستقرار في مكانه الطبيعي خلف الحاضر، ليقيم داخله، فيتزعزع الحاضر، ويتوارى المستقبل، ويفقد الزمن انتظامه ليغدو كتلة شعورية كثيفة.

 في هذا السياق، لا يملك الوعي ذاكرته، بل يُعاد تشكيله بها؛ لذلك، حين يعود مشهد من الطفولة أو من أفلام شاهين السابقة، لا يحدث ذلك باعتباره ما كان، بل بوصفه ما صار يعنيه الآن. وبهذا ينسل المعنى من زاوية النظر الحالية للحدث، لا من الحدث ذاته.

وهذا يعني أن الذاكرة لم تعد استرجاعًا، بل إعادة كتابة، فالماضي يتغير لأن الحاضر تغير، ولأن الذات لم تعد هي نفسها. كل استحضار للماضي هو إنتاج جديد له.

ويبرز المرض بوصفه عاملًا حاسمًا في عملية الإدراك هذه، إذ لا يُستخدم كخلفية درامية، بل يتحول إلى شرط معرفي يعيد ضبط علاقة الذات بالعالم وبنفسها. حين يفقد الجسد المريض قدرته على السيطرة، عندها يتصدع وهم السيادة الذي تقوم عليه الذات، ويُجبر الوعي على التباطؤ والتأمل والالتفات إلى ما كان يُقمع أو يُؤجل. ومن هذه الهشاشة الجسدية تشكل وعي غير واثق ومتردد، لا يقوم الإدراك فيه على الفعل والحسم، بل على الشك والتذكر والانقسام الداخلي.

 يفتح المرض هنا فجوة في الزمن الخطي، ويحول الجسد إلى موقع عبور للذاكرة والذنب والخوف، بحيث لا يعود الوعي سلطة تنظم التجربة، بل نتيجة مباشرة لهشاشة الجسد وحدوده. وهكذا يصبح المرض أداة معرفية، لا عائقًا طارئًا يعطل الحياة، ليعرّي ما كان مستترًا في بنية الذات والحياة نفسها.

وحين تعود السينما إلى ذاتها عبر استدعاء أفلام شاهين السابقة، فإنها لا تعود كتاريخ فني، بل كذاكرة مشوشة ومتغيرة. لا تحمل الصور القديمة معناها الأصلي، بل تُعاد قراءتها من حاضر متصدع. فلا يمتلك الوعي هنا ماضيه، لأن الماضي نفسه يتغير كلما ظهر. والذاكرة ليست استرجاعًا، بل كتابة جديدة، يتبدل فيها المعنى لأن الذات لم تعد هي نفسها.

كل ذلك يحدث داخل زمن مكسور. فتفكيك الزمن في “حدوتة مصرية” يعني التخلي عن فهم الوعي بوصفه مسارًا خطيًا من الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل، واستبداله بفهم هو حالة كثافة داخلية تتشكل من تداخل الأزمنة لا من تعاقبها. ففي مشهد المحاكمة الافتراضية يتوقف الزمن خارجيًا (يحيى تحت التخدير)، لكنه يتمدد داخليًا إلى محاكمة كاملة. دقائق طبية تتحول إلى مساحة زمنية نفسية كثيفة، تُستدعى فيها الطفولة والأم والمدرسة والأفلام والأخطاء والجرائر.

ويتجسد الزمن هنا بوصفه مادة وعي لا وحدة قياس، حيث لا يمر الوعي هنا عبر الزمن، بل يعيش داخله بوصفه طبقات متراكبة من الذاكرة والانفعال والهلوسة والجسد. فالماضي لا يُستوعب ثم يُتجاوز، والحاضر لا يستقر، بل يظل مفتوحًا على اقتحامات زمنية مفاجئة تُعيد تشكيل الإحساس بالذات.

بهذا المعنى، لا يقدم “حدوتة مصرية” وعيًا يروي ذاته، بل وعيًا يتكون وهو ينكشف، ويتشكل وهو يفقد تماسكه، في تجربة سينمائية تجعل التفكير فعلًا حسيًا، والزمن جرحًا مفتوحًا، والصورة مرآة لا تعكس الذات بقدر ما تزعزعها.

وكان هذا يقتضي بطبيعة الحال، مونتاجًا لا يعمل بوصفه أداة توضيح أو ربط سردي، إنما كآلية صدام تُنتج المعنى من التناقض، حيث لا تشرح اللقطات بعضها بعضًا، ولا تتبع تسلسلًا سببيًا واضحًا، بل تُوضع جنبًا إلى جنب رغم تعارضها، ليخلق المونتاج فجوة، ينشأ فيها المعنى بين صورتين متصادمتين.

فتتقابل صورة الجسد المريض مع صورة المخرج المتسلط، لا لتُفسر إحداهما بالأخرى، بل لكشف التوتر القائم بين هشاشة الجسد وسطوة الذات؛ وتتجاور صورة مصر كأم حاضنة مع مصر كفضاء للقمع، في انقسام لا يُحسم.

حتى السينما نفسها تُعرض بوصفها مفارقة، فهي أداة للتحرر وفي الوقت ذاته ساحة محاكمة قاسية للذات. هكذا يبتعد المونتاج عن صورته التوضيحية، ويقترب من جدلية تولد فكرة لا حكاية.

في هذا الأفق، تتجسد السينما في “حدوتة مصرية” بوصفها فنًا ذاتيًا وأخلاقيًا في آن، لا يقاس بالكمال الشكلي ولا بالتماسك السردي، بل بمدى الصدق الداخلي الذي يجرؤ على كشفه. لذلك يبدو الفيلم غير متوازن وغير مريح، وأحيانًا فظًّا في مواجهاته، لكنه صادق حتى القسوة.

في هذا الإطار. لا يستخدم شاهين الكاميرا للدفاع عن نفسه أو لتبرير اختياراته، بل يضع ذاته عارية أمام المشاهد، تناقضاته، نرجسيته، نزوعه السلطوي، وخيباته الشخصية والفنية، ووفق ذلك يتحول العمل السينمائي إلى محاكمة ذاتية علنية، يُستدعى فيها الفن لا ليمنح الخلاص، إنما ليكشف الثمن، وهو جسد مُنهك وعلاقات مأزومة وذات متسلطة على الآخرين وعلى نفسها، ووعي لم يجد السلام رغم الإنجاز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى