مراجعة |«بيت الحس» دراما تونسية عائلية عن المثلية الجنسية
الفيلم العربي الوحيد في «مسابقة برلين»

برلين ـ خاص «سينماتوغراف»
يُعدّ فيلم «بيت الحس»، (À voix basse) عنوانًا مناسبًا لثالث أفلام المخرجة التونسية ليلى بوزيد، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي،
يتميز الفيلم بتأثيره الهادئ، حيث يُصوّر معاناة المثليين والمثليات في بلدٍ تُعتبر فيه المثلية الجنسية إهانةً للعديد من العائلات المسلمة وجريمةً يُعاقب عليها القانون.
يجمع هذا السرد المُحكم بين الدراما الحميمة وقصة بوليسية بسيطة، ويركز على ليليا (الممثلة الصاعدة الواعدة إيا بوتيرا)، وهي مهندسة في الثلاثينيات من عمرها، تقيم في باريس، وتعود إلى مسقط رأسها سوسة لحضور جنازة عمها دالي، وهو مثليّ الجنس، توفي في ظروف غامضة.
تصطحب ليليا صديقتها الفرنسية، أليس (ماريون باربو)، لكنها تُسكنها في فندق قريب لإبقاء علاقتهما سرية. فهي لا تريد إغضاب جدتها سريعة الغضب، ولا والدتها، وحيدة (هيام عباس)، التي لم تكن مستعدة تمامًا لتقبّل ميول ابنتها الجنسية.
وبذلك، تروي بوزيد، التي كتبت السيناريو أيضًا، قصتين في آن واحد: الأولى هي التحقيق في وفاة دالي، الذي عاش حياة سرية لعقود، مُسلطًا الضوء على معاناة مجتمع المثليين والمتحولين جنسيًا الذين يُجبرون على العيش تحت وطأة خطر الاضطهاد الدائم.
أما الثانية، فتتعلق بتقبّل ليليا لميولها المثلية، التي تمارسها بحرية في فرنسا، لكنها تُخفيها عن أحبائها في وطنها، خوفًا من انتقادهم أو رفضهم.
تعكس القصتان كيف أن كون المرء مثليًا في تونس لم يكن يومًا بالأمر الهين، بل قد يكون مميتًا في بعض الأحيان.
لكن مع بدء ليليا في التعرف أكثر على حياة عمها، من خلال مقابلات مع أصدقاء قدامى وأحباء لمعرفة مصيره، ندرك كيف تطور الوضع من جيل إلى جيل، رغم أنه لا يزال بعيدًا عن الكمال.
تُصوَّر رحلة ليليا من خلال صور دافئة وطبيعية (بفضل سيباستيان غوبفرت) تُبرز الجانب الريفي الهادئ للأماكن التونسية، وخاصة المنزل الدافئ الذي يجتمع فيه جميع أقاربها لحضور الجنازة. إنهم عائلة مسلمة محافظة إلى حد ما، لكنهم ليسوا متدينين بشكل صارم. (إحدى عماتها بارعة في تحضير كوكتيل النعناع بالليمون الطازج من الحديقة الخلفية).
ومع ذلك، لا تستطيع ليليا أن تُفصح لهم عن علاقتها العاطفية بأليس، مدعيةً أن الأخيرة مجرد زميلة سكن، وتبقيها بعيدة عن الأنظار في أغلب الأحيان. إلى أن قررت أليس أنها اكتفت من الأكاذيب، فظهرت بجرأة ذات صباح في المنزل، مما أثار ضجة.
وعلى الرغم من اندلاع بعض الصراعات أحيانًا، فإن فيلم «بيت الحس» ليس دراما مؤثرة بالمعنى الحرفي.
ربما تُكنّ بوزيد الكثير من المودة لشخصياتها، ما يمنعها من تعريضها لمعاناة شديدة، مفضلةً توثيق علاقاتها الحميمة المتذبذبة، وأحيانًا، حسيتها.
وكما في فيلمها السابق «مجنون فرح»، (2021)، الذي اختير ضمن «أسبوع النقاد» في مهرجان كان السينمائي، تتميز بوزيد بأسلوبها الشعري في تصوير اندماج الأجساد، لا سيما في مشهد تستخدم فيه تقنية التراكب لعرض ليليا وأليس في حالات نشوة مختلفة، مع موسيقى جذابة.
عندما يتخذ فيلمها منحى سياسيًا صريحًا، فإنه يُسلط الضوء على كيفية استمرار ازدراء مجتمع المثليين في تونس من قِبل العائلات المسلمة والحكومة على حد سواء، بما في ذلك المحققين اللذين استُدعيا للتحقيق في ملابسات وفاة دالي. ومع ذلك، يلوح الأمل في الأفق مع جيل جديد أكثر انفتاحًا من سابقيه، رغم أن ليليا تواجه أيضًا رجالًا مثليين ما زالوا يعيشون في خوف، فضلًا عن أم ترفض تقبلها كما هي.
لا تغيب عن بوزيد تناقضات الحياة التونسية المعاصرة، إذ يتشابه فيلمها مع فيلم حفصية حرزي الدرامي الحائز على جوائز “الأخت الصغيرة”، الذي صوّر بأسلوب مؤثر صراع فتاة مثلية في مقتبل العمر مع عائلتها وإيمانها الإسلامي.
تدور كلتا القصتين حول شابات ممزقات بين الرغبة الجنسية ورغبتهن في إرضاء والديهن، اللذين غالبًا ما يفضلان إخفاء بعض الحقائق في المنزل.
يُثبت فيلم «بيت الحس» في نهاية المطاف أن مثل هذه الحياة السرية قد تُحطّم الإنسان، بل وربما تكون السبب الحقيقي وراء وفاة دالي، الرجل الشغوف الذي ظلّ يُخفي ميوله الجنسية طوال حياته.
قد لا تعود ليليا إلى المدينة من باريس إلا لأسبوع واحد، لكن هذا يكفيها لتُدرك أنها قد لا ترغب في السير على خطى عمّها الحبيب.
في رؤية بوزيد البليغة للعلاقات الأسرية، يُلقي ماضٍ كداالي بظلاله على الحاضر ويُؤثر فيه في آنٍ واحد.
تُجسّد المخرجة هذه الفكرة من خلال دمج بعض المشاهد الاسترجاعية في مشاهد معاصرة، كاشفةً عن أجيالٍ مُتعددة تتقاطع مساراتها في منزلٍ مليء بالذكريات، حلوها ومرّها.
وإذا كان فيلم «بيت الحس» يبدأ بيأسٍ صامتٍ في جنازة، فإنه ينتهي باحتفالٍ جماعيٍّ بهيج، حيث لا تستمر الحياة فحسب، بل يُمكن عيشها بشكلٍ أكمل في العلن.






