مراجعات فيلمية

 مراجعات برليناله | «خروج آمن» للمصري محمد حماد .. عنوان يُوحي بالهروب

حارث أمن ورث جينات والده ووظيفته ومصيره

برلين ـ خاص «سينماتوغراف»

فيلم التشويق النفسي المصري «خروج آمن» للمخرج محمد حماد، عُرض لأول مرة عالمياً ضمن قسم «بانوراما» بمهرجان برلين السينمائي الـ 76.

ويُعد هذا الفيلم ثانى أعمال حماد الروائية الطويلة، بعد فيلمه الدرامى «أخضر يابس» الذى يركز على شخصية نسائية، والذى عُرض لأول مرة فى مهرجان لوكارنو، وفاز بجائزة أفضل مخرج فى دبى عام 2016.

في فيلمه الثاني الذي أخرجه بعد ما يقارب الـ 10 سنوات من عمله الأول، يقدم السيناريست والمخرج محمد حماد، حارس الأمن سمعان الذي يبدو روتينه ليس مملًا كما يعتقد، أو كما يجعلنا نعتقد في دراسة الشخصية التي كتبها بعد أن ورث سمعان ليس فقط الجينات، بل المهنة والمصير من والده الذي تعرض للتعذيب والقتل على يد إحدى التنظيمات الإرهابية المُتطرفة بسبب ديانته المسيحية.

سمعان من النوع الذي يفتقر إلى الإرادة أو المبادرة ولا يفعل سوى ما يُطلب منه، بينما يظل مجرد متفرج على حياته، ويدونها في أوراق يأمل في نشرها كوسيلة للهروب من الوضع الذي يعيشه.

يُظهر سمعان اجتهاداً في عمله اليومي، ويُطيع الأوامر التي يتلقاها – فهو يُفعّل جهاز الاتصال الداخلي لعبد الله المطلوب عندما تطرق الشرطة الباب، ويقضي حوائج السكان، ويُغطي تأخيرات زميله حارس الأمن ومغادرته المبكرة – ولكنه في الوقت نفسه يبدو غير مبالٍ، يُشبه النباتات التي يعتني بها في الشرفة العلوية.

بعد زيارة فاطمة، التي سرعان ما استقرت في الغرفة التي كان يعيش فيها شقيق سمعان – المسجون بتهمة الاعتداء – تتحول لامبالاة الشخصية إلى إحباط، أو عدم تقبل للوضع الذي يعيشه.

لا يحدث هذا بشكل مفاجئ، كما أن التقارب ليس مثالياً أو رومانسياً. على العكس من ذلك، يلجأ حماد إلى المساحات الداخلية ليفصل بصريًا بين الشخصيات في اللوحات، أو حتى في التمثيل.

في لحظة معينة، يتحدث سمعان مع فاطمة وهو يدير ظهره لها ولا يُظهر لها أي وقار سوى نظرة خاطفة..

هذا الفصل الذي يبرزه ذكرى ما حدث لوالده والاختلافات الدينية يتقلص بمجرد أن ترى الشخصيات أوجه التشابه وليس الاختلافات.

يواجه سمعان وفاطمة صعوبات مالية، ففي حين أنها لا تملك المال اللازم لإجراء الفحوصات الطبية للصرع – الذي يعتبره المشعوذون سحرًا أو ما شابه – يحاول سمعان جمع المال لدفع أتعاب المحامي الذي سيستأنف حكم سجن أخيه، ثم لدفع أتعاب الناشر الذي وعد بنشر كتابه.. بشرط أن يتحمل التكاليف، لأنه كاتب مبتدئ.

أكبر أوجه التشابه هو الاكتشاف المتبادل للإنسانية، ورغم غياب أي تلميحات رومانسية، وهو أمرٌ يُحسب للفيلم، إلا أن هناك تداخلاً هشاً لمشاعر المودة النابعة من الصداقة والتفاهم.

يرافق سمعان فاطمة إلى موعدها الطبي، فيكتشف أنها بلا هوية، وهو جانبٌ يُعزز استنكار المخرج لتجريد الشخصية من إنسانيتها.

كل هذا ضمن إطارٍ يُعلي من شأن الصمت واللحظات الصامتة، حيث ينفرد كلٌّ من الشخصيات بذاته.

قد يُفسَّر هذا التأمل الذاتي على أنه ملل أو بطء، ولكنه بديلٌ فعّالٌ للمشاهد لبناء التعاطف، وإن لم يكن، فإنه يُمكّنه من عيش تجربة حياة الشخصية الرئيسية لمدة 110 دقائق تقريباً.

لا تقتصر العلاقة على مدة اللقطات الداخلية فحسب، تلك اللقطات المطولة و”الصامتة”، مجازيًا وحرفيًا، بل تتعداها إلى مونتاج الصوت الكامن، الذي يُكرر أصوات القاهرة الصاخبة – حركة السيارات وأبواقها – ليؤكد استحالة أن ينعم سمعان بلحظة سلام واحدة، حتى وهو يواجه الصفحة البيضاء وحيدًا في غرفته.

علاوة على ذلك، يُضفي قيام سمعان بكتابة قصة عن حياته هالة من الغموض، تدفع المشاهد إلى التساؤل، ولو للحظات، عما إذا كان ما يشاهده واقعًا يتكشف أمامه أم مجرد خيال الكاتب، وتجسيدًا للأشباح التي ألهمته الكتابة في المقام الأول.

لذا، يُعدّ عنوان «خروج آمن» عنوانًا موحيًا، إذ يُمثل حرفيًا عملية هروب من كل ما يُعانيه سمعان، وذلك من خلال إبداعه الخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى