كان ـ خاص «سينماتوغراف»
بعد النجاح الكبير الذي حققه بفيلمه الاستثنائي “ابن شاؤول”، يعود المخرج المجري لازلو نيمس إلى أجواء الحرب العالمية الثانية عبر فيلمه الجديد “مولان”، والذي يُنافس على السعفة الذهبية لمهرجان كان 79، والعمل يستعيد سيرة أحد أبرز رموز المقاومة الفرنسية جان مولان.
لكن رغم الطموح الفني الواضح والأسلوب البصري المذهل، يخرج الفيلم في النهاية كتجربة باردة عاطفيًا، تتفوق فيها الصورة على الدراما، ويطغى الشكل السينمائي على الإنسان الذي يفترض أن يكون في قلب الحكاية.
من الناحية النظرية، يبدو نيمس خيارًا مثاليًا لتناول شخصية تاريخية معقدة مثل جان مولان، فالمخرج المعروف برفضه للبطولات التقليدية وسعيه الدائم لتفكيك الأساطير الوطنية، يحاول هنا الابتعاد عن النموذج المعتاد لأفلام السير الذاتية التي تحول أبطال الحرب إلى أيقونات خالية من التناقضات.
لكنه، في المقابل، يقع في فخ آخر وهو تحويل الشخصية إلى فكرة مجردة أكثر منها إنسانًا حيًا نابضًا بالمشاعر.
يفتتح الفيلم بمشاهد ملونة للاحتلال النازي لفرنسا، قبل أن يدخل جان مولان إلى البلاد متخفيًا تحت اسم مستعار، في مشهد هبوط ليلي بالمظلة يحمل الكثير من التوتر والجمال البصري.
هنا يلمع أسلوب نيمس المعتاد، كاميرا قلقة، أصوات مرتفعة، وظلال كثيفة تمنح اللحظة إحساسًا خانقًا بالخطر والعزلة. لكن الفيلم، للأسف، لا يحافظ طويلًا على هذا الإيقاع الآسر.
في نصفه الأول، يتحرك “مولان” كأنه تحية بصرية لأفلام الجريمة السوداء الكلاسيكية، حيث تغرق الشخصيات في الإضاءة القاتمة والقبعات الطويلة والوجوه المختبئة خلف الظلال.
تصوير ماتياس إرديلي على خام 35 ملم يمنح كل لقطة سحرًا بصريًا مذهلًا، حتى يبدو الفيلم أحيانًا أقرب إلى معرض صور سينمائي فاخر منه إلى دراما متماسكة. غير أن هذه الجمالية المفرطة تأتي على حساب السرد، إذ تبدو الأحداث مبهمة ومفككة، بينما تتحرك الشخصيات داخل مؤامرات أكبر منها من دون أن يمنحها السيناريو عمقًا كافيًا.
الفيلم يتأخر كثيرًا قبل أن يتحول فعليًا إلى دراما تجسس. هذا التحول لا يحدث إلا عندما يقع مولان في قبضة الجستابو ويبدأ استجوابه الوحشي على يد كلاوس باربي، المعروف بـ“جزار ليون”، والذي يؤديه لارس إيدينجر بحضور مرعب وبارد. عندها فقط يبدأ الفيلم في الاقتراب من جوهر شخصيته الرئيسية، ويصبح أكثر اهتمامًا بفكرة الهشاشة الإنسانية بدل البطولة المطلقة.
واحدة من أكثر أفكار الفيلم إثارة تكمن في الطريقة التي يقوض بها صورة البطل التقليدي. فبدلًا من رجل يزداد قوة مع تصاعد الأحداث، يقدم نيمس شخصية تدرك منذ البداية أنها قابلة للانكسار.
مولان هنا ليس أسطورة مقاومة خارقة، بل رجل يعرف جيدًا أنه قد ينهار تحت التعذيب والضغط، وهذا الوعي بضعفه هو ما يمنحه إنسانيته الحقيقية.
جيل ليلوش يقدم أداءً منضبطًا وهادئًا، يتخلى تدريجيًا عن أناقة الشخصية وثقتها لصالح استسلام داخلي ثقيل ومؤلم.
ومع ذلك، يتحمل الممثل عبئًا كبيرًا في فيلم يتركه وحيدًا تقريبًا وسط أسلوب بصري يبتلع كل شيء حوله. فالكاميرا عند نيمس لا تتوقف عن مراقبة الظلال والوجوه والإضاءة، بينما تبقى المشاعر الحقيقية بعيدة نسبيًا عن المتفرج.
المشكلة الأساسية في “مولان” أنه يكرر أفكاره أكثر مما يطورها.
وعلى مدار ساعتين، يواصل الفيلم التأكيد على هشاشة الإنسان تحت العنف، وعلى عبثية البطولة المطلقة، لكن من دون تصاعد درامي حقيقي أو إيقاع متجدد.
المشاهد تتوالى بثقل واضح، وكأن الفيلم يدور داخل الحالة النفسية نفسها مرارًا من دون أن يجد زاوية جديدة للتعبير عنها.
كما أن التركيز المفرط على شخصية مولان يجعل العالم المحيط به يبدو ناقصًا وغير مكتمل.
فالفيلم يلمح إلى قضايا مثيرة مثل الخيانة داخل المقاومة الفرنسية أو طبيعة السلطة النازية، لكنه لا يمنح هذه العناصر أي مساحة فعلية. حتى الشخصيات النازية تظهر كرموز مجردة للشر أكثر من كونها شخصيات لها دوافع أو حضور درامي معقد.
ورغم كل هذه الملاحظات، يبقى “مولان” فيلمًا يحمل بصمة لازلو نيمس الواضحة، سينما ثقيلة، جادة، ومهووسة بالصورة والذاكرة والتاريخ.
لكنه ليس فيلمًا يمتلك القوة العاطفية الخانقة التي صنعت فرادة “ابن شاؤول”. هنا يبدو نيمس أكثر انشغالًا بإعادة خلق جماليات منتصف القرن العشرين من اهتمامه بمنح شخصياته حياة داخل هذا العالم.
في النهاية، يخرج “مولان” كتجربة سينمائية آسرة بصريًا لكنها محدودة دراميًا، فيلم ينجح في إبهار العين أكثر مما ينجح في اختراق القلب، ويؤكد مرة أخرى أن الصورة الجميلة وحدها لا تكفي لصناعة ملحمة إنسانية خالدة.
