من «الأوديسة» إلى «سبايدرمان» .. «ضغطة زر» تُربك هوليوود وتسرق أفلامها

القرصنة الجديدة تهدد شباك التذاكر العالمي

لوس أنجلوس ـ «سينماتوغراف»

لم تعد القرصنة السينمائية تلك التجارة السرية التي تعتمد على كاميرا مهتزة داخل قاعة مظلمة، أو أقراص مدمجة تباع خفية في الأسواق.

فمع تسارع المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، دخلت هوليوود مرحلة جديدة من الصراع، أصبحت فيها النسخ الكاملة للأفلام الضخمة قادرة على الوصول إلى ملايين المشاهدين خلال ساعات، بل وأيام، من عرضها الرسمي.

وكان فيلم (The Odyssey ـ الأوديسة)، للمخرج كريستوفر نولان، أحدث الأمثلة الصارخة على هذا التحول.

فبعد ثمانية أيام فقط من عرضه الواسع، انتشرت نسخة مقرصنة عالية الجودة من الفيلم على منصة «إكس»، قبل حذفها لاحقاً بسبب انتهاك حقوق النشر، في واقعة عكست حجم الصعوبة التي تواجهها الاستوديوهات في ملاحقة المحتوى المسروق بالسرعة نفسها التي ينتشر بها.

ويمثل الأمر ضربة مؤلمة لمشروع أمضى نولان سنوات في تطويره، وصوّره في مواقع متعددة حول العالم، مستخدماً تقنيات تصوير متقدمة، ومصمماً تجربته أساساً للعرض على الشاشات العملاقة في دور السينما.

لكن هذه الرؤية السينمائية المكلفة وجدت نفسها، خلال أيام، متاحة مجاناً على شاشات الهواتف.

 من كاميرات الشوارع إلى المنصات الرقمية

في التسعينيات، كانت القرصنة ترتبط غالباً بنسخ مصورة داخل قاعات السينما أو أقراص مدمجة يجري تداولها في الأسواق.

ومع بداية الألفية، اتسع انتشار نسخ الأفلام على أقراص DVD. أما اليوم، فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي نفسها إلى ساحة جديدة، يمكن أن تظهر عليها نسخة شبه كاملة من فيلم ضخم، وتصل إلى جمهور واسع قبل أن تنجح فرق حماية الحقوق في إزالتها.

وتقول تقديرات لشركتي «كيرني» و«موسو» المتخصصتين في الاستشارات ومكافحة القرصنة إن الخسائر المرتبطة بالقرصنة قد تبلغ نحو 75 مليار دولار سنوياً، مع توقعات بارتفاعها إلى 125 مليار دولار بحلول عام 2028، في ظل اتساع نطاق الوصول إلى المحتوى المسروق وتطور الأدوات الرقمية.

ولم يكن فيلم نولان وحده في دائرة الاستهداف.

فقد تعرض فيلم (Spider-Man: Brand New Day ـ سبايدرمان: يوم جديد) لتسريب مماثل، إذ انتشرت نسخة غير قانونية على نطاق واسع، ما أضاف فصلاً جديداً إلى المخاوف المتصاعدة داخل الصناعة من تأثير القرصنة في الإيرادات، خصوصاً خلال الأيام الأولى الحاسمة من العرض التجاري.

 ملايين المشاهدات في ساعات

تكمن خطورة القرصنة الجديدة في سرعتها الهائلة. فوفقاً لما تردد عن تسريب «سبايدرمان: يوم جديد»، وصل المحتوى غير القانوني إلى نحو 5.9 مليون حساب في يوم عرضه الأول، قبل اتخاذ إجراءات لحظره.

ولا يعني كل ظهور لفيلم مقرصن أن عدداً مماثلاً من المشاهدين كان سيشتري بالضرورة تذكرة سينما، لكن المشكلة الأساسية، بحسب منتجين، تتمثل في استحالة قياس حجم الخسائر الحقيقية بدقة.

فقد يكون الضرر محدوداً، وقد يصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، وهو ما يجعل القرصنة خطراً يصعب تقدير كلفته الفعلية.

ويكتسب الأمر حساسية أكبر لأن افتتاح الفيلم في دور العرض لا يزال يمثل حجر الأساس في النموذج الاقتصادي لهوليوود.

فالنجاح المبكر يساعد الاستوديوهات على استرداد تكاليف الإنتاج والتسويق، كما يحدد قيمة الفيلم في مراحل التوزيع اللاحقة، من البث الرقمي إلى المنصات والحقوق الدولية.

 موسم قوي تحت تهديد التسريبات

وتأتي هذه المخاوف في وقت شهدت فيه شباك التذاكر الأميركية انتعاشاً ملحوظاً، إذ تجاوزت إيرادات موسم الصيف 4 مليارات دولار، في واحدة من أفضل النتائج التي حققتها دور العرض منذ جائحة «كورونا».

وساهمت أفلام عدة في هذا الانتعاش، بينها (Obsession ـ الهوس)، و(Backrooms ـ الغرف الخلفية)، و (Toy Story 5 ـ حكاية لعبة 5)، و (The Devil Wears Prada 2 ـ الشيطان يرتدي برادا 2)، إلى جانب (The Odyssey ـ الأوديسة) و (Spider-Man: Brand New Day ـ سبايدرمان: يوم جديد).

لكن المفارقة أن معظم هذه الأفلام باتت معرضة للظهور بصورة غير قانونية على الإنترنت فور طرحها تقريباً، في وقت لا تزال فيه عادات الذهاب إلى السينما أقل من مستويات ما قبل الجائحة في عدد من الأسواق.

 معركة «إزالة» لا تنتهي

وتعتمد الاستوديوهات في مواجهة هذا الواقع على منظومة معقدة من الإبلاغ وطلبات إزالة المحتوى.

إذ تتابع فرق حماية الحقوق النسخ غير القانونية، وتخاطب المنصات، وتستعين بالمحامين عند انتشار الملفات على نطاق واسع.

لكن هذا النموذج يواجه مشكلة جوهرية، فحذف نسخة لا يعني نهاية انتشارها. إذ يمكن إعادة رفع الملف من حساب آخر خلال دقائق، أو نسخه إلى منصات متعددة، لتتحول المعركة إلى سباق دائم بين من ينشر المحتوى ومن يحاول حذفه.

وتقول لاريسا كناب، رئيسة قسم حماية المحتوى في رابطة الأفلام السينمائية، إن الجهود تركز بصورة متزايدة على استهداف الشبكات الكبرى التي تقف خلف عمليات القرصنة، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة الحسابات الفردية.

 «روبن هود» الرقمي والقرصنة المنظمة

وتواجه الصناعة دوافع متعددة للقرصنة. فبعض المستخدمين ينظر إليها بوصفها تحدياً لشركات الإعلام العملاقة، فيما يلجأ آخرون إليها بسبب صعوبة الوصول إلى المحتوى قانونياً في مناطقهم، سواء لغياب دور السينما أو بسبب اتفاقيات التوزيع والحقوق الجغرافية.

وفي بعض الأسواق، تلعب الرقابة دوراً إضافياً في دفع الجمهور نحو النسخ غير القانونية، حين تمنع القيود المحلية عرض أعمال معينة، فيتحول الإنترنت إلى النافذة الوحيدة لمشاهدتها.

لكن بالنسبة إلى الاستوديوهات، لا يغير اختلاف الدوافع من جوهر المشكلة، الفيلم عمل تجاري وفني محمي، وطرحه كاملاً على الإنترنت دون ترخيص يعني فقدان أصحاب الحقوق القدرة على التحكم في طريقة عرضه وتوقيت توزيعه.

الذكاء الاصطناعي يدخل المعركة

وتتجه المخاوف الآن نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. فالتسجيلات المصورة خلسة داخل دور السينما قد تصبح، بفضل أدوات المعالجة الحديثة، أكثر وضوحاً واستقراراً، مع إمكانية تقليل اهتزاز الصورة وتحسين الصوت.

كما تراقب جهات حماية المحتوى انتشار الأجهزة الصغيرة القابلة للارتداء والمزودة بكاميرات، ومنها النظارات الذكية، باعتبارها تحدياً محتملاً لجهود منع التسجيل داخل قاعات العرض.

وهنا لا تتعلق المشكلة بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرتها على خفض الحواجز أمام إنتاج نسخة قابلة للمشاهدة والنشر بسرعة، من دون الحاجة إلى المعدات التقليدية التي ارتبطت بعمليات القرصنة في الماضي.

 بين الدعاية والسرقة

المفارقة أن هوليوود نفسها باتت تتسامح أحياناً مع شكل آخر من «التسريب» المحدود. فمقاطع ردود فعل الجمهور، والصرخات داخل القاعات، والمشاهد القصيرة التي تنتشر على «تيك توك» و«إنستغرام»، يمكن أن تتحول إلى دعاية مجانية للفيلم.

وقد حدث ذلك مع فيلم (Obsession ـ الهوس)، الذي انتشرت مقاطع ردود الفعل على مشاهده المرعبة، كما أثارت لحظة ظهور شخصية محبوبة في فيلم (A Minecraft Movie ـ فيلم ماينكرافت) عام 2025 موجة واسعة من التفاعل داخل قاعات العرض وعلى مواقع التواصل.

وقبل ذلك، انتشرت ردود فعل الجمهور على الأداء الغنائي لسينثيا إريفو في فيلم (Wicked ـ ويكيد)، لتصبح مقاطع الحضور أنفسهم جزءاً من الحملة غير الرسمية التي عززت حضور الفيلم جماهيرياً.

لكن الفارق، وفقاً لمنتجين، يكمن بين مقطع قصير قد يثير فضول الجمهور ويدفعه إلى شراء تذكرة، ونسخة كاملة عالية الجودة تمنحه بديلاً مجانياً عن تجربة السينما.

هوليوود تفقد السيطرة

هنا تحديداً تكمن المعركة الجديدة. فالصناعة لا تخشى فقط خسارة الإيرادات، بل فقدان السيطرة على المنتج نفسه.

عندما تقرر الاستوديوهات نشر مقطع دعائي أو مشهد قصير، فهي تتحكم في التوقيت والسياق والرسالة التسويقية.

أما عندما يُنشر الفيلم كاملاً بصورة غير قانونية، فإن شخصاً آخر يفرض طريقة وصول الجمهور إليه.

وبينما تستعيد دور السينما جزءاً من جمهورها، خصوصاً من الأجيال الشابة التي تعود إلى القاعات بحثاً عن التجربة الجماعية، تحمل هذه العودة معها مفارقة رقمية قاسية، الجمهور نفسه الذي يصور لحظات الحماس وينشرها بوصفها دعاية، يعيش أيضاً في بيئة تستطيع فيها نسخة كاملة من أحدث أفلام هوليوود أن تنتشر خلال ساعات.

وبالنسبة إلى هوليوود، لم تعد الحرب ضد القرصنة معركة بين الاستوديوهات ومواقع مجهولة في زوايا الإنترنت. إنها اليوم مواجهة مفتوحة على كل شاشة، وفي كل منصة، وبين ملايين المستخدمين الذين تفصلهم نقرة واحدة عن أحدث فيلم ضخم.. من دون تذكرة.

Exit mobile version