«سينماتوغراف» ـ أسـامة عسـل
في الوقت الذي تحتفي فيه عدة عواصم أوروبية بعروض استعادية لأعمال المخرج العالمي “رومان بولانسكي”، صدر تقرير نقدي مطول يعيد قراءة مسيرته التي تمتد لأكثر من ستة عقود.
التقرير، الذي حمل عنوان “هندسة القلق”، لم يكتفِ باستعراض الجوائز، بل غاص في الجسد السينمائي لبولانسكي باعتباره “مهندسًا” بارعًا في تحويل الفراغات المكانية إلى سجون نفسية ومناطق للتوتر الوجودي.
يرى التقرير أن سينما بولانسكي لا تعتمد على “الفعل” الخارجي بقدر اعتمادها على “احتجاز الوعي”. من خلال تحليله لـ “ثلاثية الشقق” (Repulsion, Rosemary’s Baby, The Tenant)، يوضح النقاد كيف يستخدم بولانسكي الزوايا الضيقة وحركة الكاميرا البطيئة لخلق حالة من الرهاب الاجتماعي.
وفي سينماه، الشقة أو الغرفة ليست مجرد خلفية، بل هي كائن حي يضيق على أبطاله حتى يصل بهم إلى حافة الجنون.
كما أن القلق هنا ليس عشوائيًا، بل هو “بناء هندسي” دقيق، يعتمد على توقيت ظهور المعلومة واختفائها، مما يجعل المشاهد شريكًا في حالة “البارانويا” التي يعيشها البطل.
وتطرق التقرير إلى تيمة “الهوية المفقودة” التي طاردت بولانسكي منذ فيلمه الطويل الأول Knife in the Water.
ويشير التحليل إلى أن أبطال بولانسكي هم دائماً ضحايا لقوى أكبر منهم (سواء كانت قوى غيبية، سياسية، أو مجتمعية)، لكنهم في الوقت ذاته يحملون بذور فنائهم داخلهم.
وهذا التداخل يظهر بوضوح في تحفته Chinatown، حيث تتشابك خيوط الفساد السياسي مع التفكك النفسي، مما يرسخ مفهوم “السينما السوداء” في أبهى صورها.
وتأتي العروض الاستعادية الحالية في مراكز مثل “سينماتك باريس” ومراكز ثقافية في برلين، لتعيد طرح سؤال “فصل الفن عن الفنان”. ويؤكد التقرير أن قوة سينما بولانسكي تكمن في قدرتها على البقاء “طازجة” تقنياً وفلسفياً، رغم كل الجدل الشخصي المحيط به.
ويختتم التقرير النقدي رؤيته بأن بولانسكي يظل المخرج الذي “رسم القلق بمشرط جراح”. إن سينماه ليست للترفيه، بل هي رحلة في دهاليز النفس البشرية المظلمة، حيث يظل “المكان” هو السجان، و”الحقيقة” هي السراب الذي يطارد الجميع.
ومن ثم فإن وصف سينما بولانسكي بـ “هندسة جماليات القلق” هو أدق تعريف لمخرج استطاع أن يجعل من الصمت صرخة، ومن الزوايا الضيقة أفقاً لا نهائياً من الاحتمالات المرعبة. إنه المخرج الذي علمنا أن الرعب الحقيقي لا يسكن الغابات المظلمة، بل يسكن في الشقة المجاورة، أو ربما في المرآة التي ننظر إليها كل صباح.”
ولم تكن مدرسة بولانسكي في “هندسة القلق” بعيدة عن وعي المخرجين العرب؛ بل كانت مصدر إلهام لسينما وجدت في “المكان المغلق” استعارة مثالية للحصار السياسي أو التفكك المجتمعي. ويمكن رصد هذا التأثر عبر مستويين:
- جدران الصمت والسياسة:
تتجلى هذه المدرسة بوضوح في سينما يسري نصر الله، وتحديداً في فيلمه “سرقات صيفية”، حيث تصبح الجدران شاهداً على تحولات طبقية وسياسية خانقة، كما نجدها في تجارب المخرج السوري محمد ملص الذي برع في جعل الغرف والممرات الضيقة مسرحاً لذاكرة جريحة وقلق وجودي لا ينتهي، تماماً كما في “أحلام المدينة”.
- دراما “الغرفة الواحدة” المعاصرة:
في السينما المصرية الحديثة، نجد امتداداً لهذا النفس في أعمال مخرجين مثل محمد خان (خاصة في المشاهد الداخلية لفيلم “زوجة رجل مهم”)، حيث يتحول المنزل من سكن إلى “سجن اختياري” يعكس بارانويا السلطة، وهي تيمة بولانسكية بامتياز.
ولا يمكن كذلك إغفال تجربة فيلم “اشتباك” لمحمد دياب، الذي نقل “هندسة القلق” من الشقة إلى “عربة ترحيلات”، محققاً قمة التوتر الدرامي من خلال حيز مكاني لا يتجاوز بضعة أمتار، وهو ما يتقاطع مع عبقرية بولانسكي في التحكم بالكتل الفراغية لخلق شعور بالاضطهاد.
- السينما المغاربية وقلق الهوية:
كذلك نجد في سينما نبيل عيوش أو ليلى كيلاني استخداماً للمساحات العمرانية العشوائية والضيقة كأداة لعكس القلق النفسي لدى الأبطال المهمشين، حيث يتحول المكان من مجرد موقع تصوير إلى “مشرط” يكشف عورات المجتمع.
وهكذا فإن انتقال (جماليات القلق) من باريس ولندن إلى شوارع القاهرة وحارات الدار البيضاء، يؤكد أن عبقرية بولانسكي لم تكن مجرد أسلوب تقني، بل كانت لغة عالمية لفهم الإنسان حين يُحاصر.
والمخرجون العرب لم يقلدوا بولانسكي، بل استعاروا “مشرطه” ليفككوا به واقعاً عربياً مثقلاً بالتساؤلات، محولين الغرف المغلقة إلى نوافذ تُطل على أزمات كبرى.
