«سينماتوغراف» ـ أسـامة عسـل
كوجي فوكادا يعود إلى «كان».. رحلة مخرج ياباني أعاد تعريف الدراما النفسية خلال أقل من عقد، حيث نجح في ترسيخ اسمه كأحد أبرز الأصوات السينمائية الآتية من آسيا إلى مهرجان كان السينمائي، عبر أفلام تتقاطع فيها العزلة مع القلق النفسي، والهدوء الظاهري مع الانفجارات العاطفية المكتومة.
ومع عودته هذا العام إلى الكروازيت بفيلمه الجديد«ناغي نوتس» “Nagi Notes”، يواصل فوكادا رحلته الخاصة داخل أروقة مهرجان كان السينمائي، وهي رحلة بدأت فعليًا عام 2016 عندما خطف الأنظار بفيلم “Fuchi ni Tatsu” المعروف عالميًا بعنوان «هارمونيوم» “Harmonium”، أحد أهم أفلام الإثارة النفسية اليابانية في العقد الأخير.
** البداية التي غيّرت مسيرته
قبل ظهوره في مهرجان كان السينمائي، كان كوجي فوكادا اسمًا معروفًا داخل الدوائر السينمائية المستقلة في اليابان، لكنه لم يكن قد وصل بعد إلى المشهد العالمي الواسع.
كل شيء تغيّر مع “Harmonium”، الفيلم الذي عُرض ضمن قسم “نظرة ما” عام 2016، وحقق صدى نقديًا هائلًا بفضل طريقته الباردة والمقلقة في تفكيك الأسرة اليابانية الحديثة.
يحكي الفيلم قصة عائلة تعيش حياة هادئة قبل أن يؤدي ظهور صديق قديم للأب إلى تفجير التوازن الداخلي للأسرة بالكامل. ومن خلال إيقاع بطيء ومشاهد شديدة الصمت، صنع فوكادا توترًا نفسيًا متصاعدًا دون الاعتماد على أدوات الإثارة التقليدية.
وفاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم في قسم “نظرة ما”، ليصبح لحظة الانطلاق الحقيقية لفوكادا على الساحة الدولية.
** سينما التفاصيل الصامتة
ما يميز سينما كوجي فوكادا ليس الضجيج الدرامي، بل العكس تمامًا.
فأفلامه تعتمد على: الصمت الطويل، التوتر غير المرئي، العلاقات الإنسانية الهشة، الشخصيات التي تخفي أكثر مما تقول، الانفجارات النفسية البطيئة.
ويُنظر إليه غالبًا باعتباره امتدادًا حديثًا لتقاليد السينما اليابانية التأملية التي أسسها مخرجون كبار مثل ياسوجيرو أوزو وكييوشي كوروساوا، لكن بروح أكثر معاصرة وقلقًا.
في عالم فوكادا، لا يأتي الرعب من العنف المباشر، بل من التصدعات الصغيرة داخل الحياة اليومية.
** من “الحب على المحك” إلى نضج أكبر
بعد سلسلة من الأفلام التي رسخت مكانته داخل المهرجانات الأوروبية، عاد فوكادا العام الماضي إلى مهرجان كان السينمائي عبر فيلم “Love on Trial” أو “الحب على المحك”، الذي عُرض ضمن قسم “كان بريميير”.
الفيلم تناول العلاقة المعقدة بين الشهرة والخصوصية داخل المجتمع الياباني، عبر قصة نجمة شابة تواجه ضغوطًا اجتماعية ومهنية بعد انكشاف حياتها العاطفية.
ورغم أن الفيلم بدا أكثر مباشرة من أعماله السابقة، فإنه حافظ على السمات الأساسية لسينما فوكادا: الشخصيات المنكسرة، والنقد الاجتماعي الهادئ، والإحساس الدائم بالعزلة.
** “ناغي نوتس”.. العودة إلى الجذور
هذا العام، يعود فوكادا للمشاركة في الاختيار الرسمي بفيلم “Nagi Notes”، الذي يوصف بأنه عمل ريفي تأملي يحمل طابعًا إنسانيًا وشاعريًا مختلفًا عن أفلامه السابقة.
الفيلم، الذي تدور أحداثه في الريف الياباني، يستكشف العلاقة بين الذاكرة والطبيعة والزمن، في حكاية تبدو أقرب إلى “قصيدة سينمائية” منها إلى الدراما التقليدية.
وبحسب الانطباعات الأولية، فإن “ناغي نوتس” يمثل مرحلة جديدة من النضج الفني لدى المخرج الياباني، حيث يتجه نحو سينما أكثر هدوءًا وتأملًا، دون التخلي عن حسه النفسي العميق.
كما يرى نقاد أن الفيلم يعكس تحوّلًا في رؤية فوكادا للعالم، من التركيز على التفكك العائلي والقلق الحضري إلى التأمل في فكرة المصالحة الداخلية والبحث عن السلام.
** علاقة خاصة مع الكروازيت
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت علاقة كوجي فوكادا بـمهرجان كان السينمائي واحدة من أكثر العلاقات استقرارًا بين مخرج آسيوي والمهرجان الفرنسي.
فكل عودة لفوكادا إلى الكروازيت تحمل معها توقعات نقدية مرتفعة، خصوصًا أن المهرجان لطالما احتفى بالسينما الآسيوية التي تجمع بين البعد الإنساني والأسلوب الفني المتفرّد.
ومع استمرار صعود السينما اليابانية الحديثة عالميًا، يبدو فوكادا اليوم واحدًا من أهم المخرجين الذين يمثلون الجيل الجديد للسينما اليابانية خارج الأسماء التقليدية الكبرى.
** شاعر القلق الإنساني
بعيدًا عن البهرجة البصرية أو الخطابات المباشرة، يواصل كوجي فوكادا بناء مشروع سينمائي شديد الخصوصية، قائم على مراقبة الإنسان في لحظات ضعفه وهشاشته.
ومن “هارمونيوم” إلى “ناغي نوتس”، تبدو رحلته داخل مهرجان كان السينمائي أشبه بتطور تدريجي لصوت سينمائي يزداد نضجًا وهدوءًا مع كل فيلم جديد.
