كتاب جديد في السنغال يرصد تحولات السينما الأفريقية

148 صفحة عن التحديات التي تعوق تطورها

داكار ـ خاص «سينماتوغراف»

صدر في السنغال كتاب جديد بعنوان «مواقع بناء السينما الأفريقية – من الجماليات إلى الاقتصاد»، عن دار «لاهارماتان»، في إصدار يوثق وقائع مؤتمر عُقد ضمن فعاليات ملتقى داكار السينمائي «RECIDAK»، ويجمع رؤى ومناقشات لعدد من أبرز السينمائيين والباحثين الأفارقة حول واقع الصناعة وآفاقها.

ويقع الكتاب، الذي حرره البروفيسور إبراهيما وان، في 148 صفحة، ويقدم قراءة متعددة الزوايا لمسيرة السينما الأفريقية، متوقفاً عند التحديات التي تعوق تطورها، وفي مقدمتها التمويل والإنتاج والتدريب والتوزيع، إلى جانب التحولات التكنولوجية المتسارعة ودور السينما في حماية الهوية الثقافية وتعزيز التنمية.

ويكتسب الإصدار أهمية خاصة لكونه يوثق للمرة الأولى نقاشات ومداخلات مؤتمر سينمائي أفريقي، ناقلاً الحوار من فضاء الندوات واللقاءات المؤقتة إلى وثيقة معرفية يمكن الرجوع إليها لرصد التحولات التي تشهدها الصناعة في القارة.

أصوات سينمائية من القارة

ويضم الكتاب مساهمات لعدد من الأسماء البارزة في السينما الأفريقية، من بينهم المخرج السنغالي آلان غوميس، والمخرج والمنتج الكاميروني جان بيير بيكولو، والمخرجة الوثائقية المصرية جيهان الطاهري، إلى جانب نور الدين صايل وشيخ عمر سيسوكو، وغيرهم من السينمائيين والخبراء.

وتكشف تعددية المشاركين عن رغبة في تقديم صورة أوسع للسينما الأفريقية، بعيداً عن اختزالها في تجربة وطنية واحدة أو مدرسة فنية محددة، إذ تتجاور في الكتاب خبرات تمتد بين شمال القارة وغربها ووسطها، وتتقاطع عند سؤال مركزي يتعلق بكيفية بناء صناعة قادرة على الاستمرار والمنافسة.

ولا يتعامل الكتاب مع السينما بوصفها نشاطاً فنياً منعزلاً، بل يضعها في سياق اقتصادي وثقافي واجتماعي أوسع، حيث ترتبط جودة الإنتاج بتوافر البنية التحتية، وتتصل حرية الإبداع بوجود سياسات داعمة، فيما يصبح التدريب أحد الشروط الأساسية لتجديد الطاقات والكوادر.

التمويل في صدارة التحديات

ويحتل التمويل مساحة رئيسية في النقاشات التي يوثقها الكتاب، في ظل ما تواجهه قطاعات واسعة من السينما الأفريقية من صعوبات في توفير الموارد اللازمة للإنتاج والتوزيع والوصول إلى الأسواق.

وتتجه المداخلات إلى ضرورة تنويع مصادر التمويل، وعدم الاعتماد على جهة واحدة أو آلية تقليدية، بما يفتح المجال أمام شراكات إنتاجية جديدة وتعاون إقليمي ودولي أكثر توازناً.

كما تبرز أهمية تطوير سياسات عامة تنظر إلى السينما باعتبارها صناعة قادرة على خلق فرص العمل وتحريك قطاعات اقتصادية مرتبطة بها، وليس مجرد نشاط ثقافي يحتاج إلى الدعم في أوقات محددة.

ويطرح هذا التوجه سؤالاً متكرراً حول قدرة الدول الأفريقية على بناء منظومات إنتاج مستدامة، تسمح للمخرجين بتطوير مشاريعهم داخل القارة، من دون أن يصبح التمويل الخارجي الشرط الوحيد لتحويل الأفكار إلى أفلام.

الشباب والتدريب وصناعة المستقبل

ويولي الكتاب اهتماماً خاصاً بتأهيل الشباب ودمجهم مهنياً، انطلاقاً من أن مستقبل السينما الأفريقية يرتبط بقدرتها على تجديد كوادرها ومواكبة التحولات المتسارعة في أدوات الإنتاج.

وتتناول المساهمات الحاجة إلى تطوير برامج التدريب في مجالات الإخراج والتصوير والمونتاج والإنتاج وكتابة السيناريو، إلى جانب المهارات الجديدة التي فرضتها البيئة الرقمية، بما في ذلك التقنيات الحديثة وأساليب الوصول إلى الجمهور.

ولا ينحصر التدريب في الجانب الفني، بل يمتد إلى فهم آليات السوق وإدارة المشاريع وحقوق الملكية الفكرية، وهي عناصر باتت جزءاً أساسياً من صناعة سينمائية تسعى إلى تعزيز حضورها محلياً ودولياً.

التكنولوجيا تعيد تشكيل الصناعة

ويضع الكتاب التحول التكنولوجي في قلب مستقبل السينما الأفريقية، مع ما أتاحته الأدوات الرقمية من فرص لخفض تكاليف الإنتاج وتوسيع إمكانات التصوير والمونتاج، والوصول إلى منصات وجماهير جديدة.

لكن التكنولوجيا، وفق الرؤية التي يناقشها الإصدار، لا تمثل حلاً تلقائياً لمشكلات الصناعة، إذ تظل الاستفادة منها مرتبطة بوجود تدريب وبنية تحتية واستراتيجيات واضحة تضمن انتقال المعرفة وتوسيع فرص المشاركة.

وتبدو هذه المسألة أكثر أهمية مع تنامي حضور المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وما تفرضه من أسئلة جديدة حول مستقبل المهن السينمائية وطرق إنتاج المحتوى وتوزيعه وحماية حقوق أصحابه.

السينما والهوية في مواجهة التحولات

إلى جانب الاقتصاد والتكنولوجيا، يحتفظ البعد الثقافي بموقع أساسي في الكتاب، الذي يناقش دور السينما في التعبير عن واقع المجتمعات الأفريقية وتنوعها، وفي حفظ الذاكرة ومواجهة الصور النمطية التي طالما رافقت تمثيل القارة على الشاشة.

وتتحول السينما، في هذا السياق، إلى مساحة لتقديم روايات تنطلق من الداخل، وتعيد صياغة العلاقة بين الصورة والهوية، بعيداً عن النظرة الخارجية التي هيمنت طويلاً على كثير من الإنتاجات المرتبطة بأفريقيا.

ويؤكد تعدد التجارب التي يجمعها الكتاب أن السينما الأفريقية لا تمثل صوتاً واحداً، بل عوالم وتجارب وذاكرات مختلفة، تتوحد في سعيها إلى امتلاك أدوات السرد والإنتاج والتوزيع.

وثيقة لمستقبل السينما الأفريقية

يقدم «مواقع بناء السينما الأفريقية – من الجماليات إلى الاقتصاد» خريطة للنقاشات الأساسية التي تشغل العاملين في القطاع، من شروط الإبداع وحرية التعبير، إلى التمويل والتكوين والتكنولوجيا والأسواق.

كما يمنح ملتقى «RECIDAK» امتداداً معرفياً يتجاوز زمن انعقاد المؤتمر، ويحوّل مداولاته إلى مادة توثيقية تسجل مرحلة مهمة من التفكير في مستقبل الصناعة.

وبين الجماليات والاقتصاد، يرسم الكتاب صورة لسينما أفريقية تبحث عن معادلة جديدة تجمع بين الحفاظ على خصوصيتها الثقافية وبناء صناعة أكثر قدرة على الاستدامة، في وقت تفرض فيه التكنولوجيا وأسواق العرض الجديدة تحديات وفرصاً غير مسبوقة.

Exit mobile version