«كان 79» .. جوائز تربك النقاد وانقسام حول «السعفة الذهبية»

دورة الأسئلة المفتوحة وهزيمة الرهان الجماهيري

«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل

مع إسدال الستار على الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، بدا واضحًا أن لجنة التحكيم اختارت هذا العام طريقًا مختلفًا، أكثر ميلًا إلى السينما الباردة والمتأملة، وأقل انحيازًا للأعمال الجماهيرية أو تلك التي حصدت الإجماع النقدي خلال أيام المهرجان.

فوز فيلم “FJORD” للمخرج الروماني كريستيان مونجيو بالسعفة الذهبية لم يكن مفاجأة كاملة، لكنه في الوقت نفسه لم يكن الخيار الأكثر تداولًا بين النقاد قبل إعلان الجوائز.

الفيلم، الذي يتناول صدام الهوية والدين والعائلة داخل بيئة نرويجية معزولة، حظي بإشادة واسعة بسبب دقته الإخراجية وبنائه النفسي الهادئ، لكنه واجه أيضًا انتقادات تتعلق ببروده العاطفي واعتماده على الإيقاع البطيء بصورة قد تُبعد قطاعًا من الجمهور.

ورغم ذلك، اعتبر كثير من النقاد أن تتويج “FJORD” يعكس رغبة كان في العودة إلى السينما المؤلفة ذات الطابع الإنساني والفلسفي، بعيدًا عن الأفلام الصاخبة أو تلك التي تعتمد على الاستعراض البصري. كما رأى البعض أن الجائزة تؤكد استمرار كريستيان مونجيو كأحد أبرز الأصوات الأوروبية القادرة على تقديم دراما أخلاقية معقدة دون الوقوع في المباشرة.

أما الجائزة الكبرى التي ذهبت إلى فيلم “Minotaur” للمخرج الروسي أندريه زفياجينتسيف، فقد جاءت أقرب إلى التسوية النقدية، خصوصًا أن الفيلم كان من أبرز المرشحين للسعفة الذهبية منذ عرضه الأول.

العمل، الذي يغوص في العنف السياسي والانهيار الإنساني داخل مجتمع مأزوم، حصد إشادات واسعة بسبب قوته البصرية وجرأته السياسية، حتى إن بعض النقاد رأوا أنه كان الأحق بالجائزة الكبرى للمهرجان.

اللافت أن جزءًا من الجدل هذا العام لم يرتبط فقط بالأفلام الفائزة، بل أيضًا بالأفلام التي خرجت خالية الوفاض رغم الضجة الكبيرة التي صاحبت عروضها.

بعض النقاد اعتبر أن لجنة التحكيم تجاهلت أعمالًا أكثر ابتكارًا على المستوى السينمائي، مفضلة أفلامًا ذات طابع كلاسيكي وأسلوب محافظ نسبيًا.

في المقابل، دافع فريق آخر عن اختيارات اللجنة، معتبرًا أن دورة هذا العام لم تشهد فيلمًا يفرض هيمنته المطلقة على الجميع، وأن التفاوت في الآراء كان طبيعيًا بسبب تقارب المستوى الفني بين عدد كبير من الأعمال المشاركة.

ومن أبرز الملاحظات التي تكررت في تغطيات النقاد، أن مهرجان كان هذا العام بدا أكثر استقلالية وأقل خضوعًا لسطوة هوليوود.

فغياب الإنتاجات الأمريكية الضخمة أتاح مساحة أكبر لأفلام المؤلفين المستقلين، وهو ما أعاد للمسابقة الرسمية روحها القديمة، القائمة على المغامرة الفنية أكثر من الرهان التجاري.

كما رأى متابعون أن الجوائز عكست توجهًا واضحًا نحو السينما السياسية والإنسانية، حيث حضرت موضوعات الحرب والهوية والهجرة والانقسام الاجتماعي بقوة داخل معظم الأفلام الفائزة.

حتى الأعمال الأكثر هدوءًا كانت تحمل أسئلة ثقيلة عن العائلة والسلطة والانتماء.

وعلى مستوى التمثيل، شهدت الجوائز انقسامًا مشابهًا، إذ رأى بعض النقاد أن الاختيارات فضلت الأداءات الداخلية الصامتة على الأدوار الأكثر صخبًا وتحولًا، وهو ما يتماشى مع المزاج العام للدورة بأكملها.

في النهاية، يمكن القول إن دورة كان 79 لن تُتذكر باعتبارها دورة الإجماع، بل باعتبارها دورة النقاش الحاد.

وهي ربما السمة التي يحبها المهرجان أكثر من أي شيء آخر؛ أن يخرج الجمهور والنقاد مختلفين، متجادلين، وغير قادرين على الوصول إلى رأي واحد حول ما شاهدوه.

وبين مؤيد يرى أن الجوائز أنصفت السينما الجادة، ومعارض يعتبرها بعيدة عن أكثر الأفلام تأثيرًا، يظل المؤكد أن كان 2026 نجح مجددًا في تثبيت صورته كمهرجان لا يبحث عن إرضاء الجميع، بل عن إثارة الأسئلة وخلق الجدل السينمائي حتى اللحظة الأخيرة.

Exit mobile version