«سينماتوغراف» ـ أسـامة عسـل
يبدو مهرجان كان السينمائي هذا العام وكأنه يعلن بوضوح عن تحوّل جذري في خريطة السينما العالمية.
فبينما اعتادت هوليوود لعقود أن تكون محور النقاش والاهتمام، تكشف دورة 2026 عن حضور استثنائي للسينما العالمية بلغات متعددة وثقافات متباينة، من إسبانيا وإيران إلى بولندا وبلجيكا واليابان، في مشهد يعكس تغير المزاج السينمائي العالمي وتراجع الهيمنة الأمريكية التقليدية.
ورغم وجود أسماء أمريكية بارزة مثل جيمس غراي بفيلمه “Paper Tiger”، وإيرا ساكس بفيلم “The Man I Love”، فإن الأحاديث الأكثر سخونة على الكروازيت تدور هذا العام حول أفلام أوروبية وآسيوية تبدو أكثر جرأة وحيوية على المستوى الفني.
ويرى متابعون أن هذا التحول لا ينفصل عن الأزمات التي ضربت صناعة السينما الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من إضرابات الكُتاب والممثلين، مرورًا بعمليات دمج الاستوديوهات العملاقة، ووصولًا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج داخل لوس أنجلوس وتصاعد الخطابات المعادية للفنون والثقافة داخل الولايات المتحدة.
** ألمودوفار يعود بفيلم شخصي ومؤلم
يتصدر المخرج الإسباني الكبير بيدرو ألمودوفار قائمة الأعمال الأكثر ترقبًا عبر فيلمه الجديد “Amarga Navidad” أو “عيد الميلاد المرير”، الذي يصفه كثيرون بأنه أحد أكثر أفلامه ذاتية وحميمية.
الفيلم يمزج بين السيرة الذاتية والخيال، ويتناول قصة مخرج يعيش أزمة إبداعية بعد مأساة تصيب أحد المقربين منه، قبل أن يجد نفسه يستلهم تلك التجربة لصناعة فيلم جديد. ويقدم ألمودوفار عبر شخصية “إلسا” انعكاسًا أنثويًا لحياته وتجربته الفنية، في عمل يتوقع أن يحمل الكثير من التأملات حول الفن والذاكرة والخسارة.
ويبدو أن المخرج الإسباني، الذي لطالما ارتبط اسمه بالميلودراما الملونة والعواطف الحادة، يتجه هنا نحو مساحة أكثر قتامة وتأملًا.
** بافل بافليكوفسكي يفتح جراح أوروبا القديمة
أما المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي، صاحب “إيدا” و”الحرب الباردة”، فيعود بفيلم “Fatherland”، الذي يواصل فيه تفكيك الذاكرة الأوروبية والهوية الثقافية بعد الحروب.
يروي الفيلم قصة عائلة تعود إلى ألمانيا بعد سنوات طويلة من المنفى، لتواجه أسئلة الانتماء والذاكرة والصدمات التاريخية الممتدة عبر الأجيال.
ويحظى العمل باهتمام استثنائي خصوصًا مع انضمام الممثلة الألمانية ساندرا هولر إلى البطولة، بعد تألقها اللافت في “تشريح سقوط” و”منطقة الاهتمام”، ما يعزز التوقعات بأن الفيلم سيكون أحد أبرز المنافسين على السعفة الذهبية.
** فرهادي يعود إلى المتاهة الأخلاقية
الحضور الإيراني هذا العام يبدو قويًا ومؤثرًا، يقوده أصغر فرهادي بفيلمه الجديد “Histoire Parallèle” أو “حكايات متوازية”، الذي يعيد المخرج الإيراني إلى ملعبه المفضل: العلاقات الإنسانية المعقدة والمتاهات الأخلاقية المستحيلة.
الفيلم يدور في باريس، حيث تتقاطع مصائر شخصيات متعددة وسط شبكة من الأسرار العائلية والتنازلات الأخلاقية، في بناء سردي يعتمد على التوتر النفسي التدريجي الذي اشتهر به فرهادي.
وتلعب النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير دور البطولة، في تعاون يُنتظر أن يكون من أبرز لقاءات السينما الأوروبية والإيرانية هذا العام.
ويحمل وجود فرهادي في “كان” دلالة خاصة، خصوصًا بعد فوز جعفر بناهي بالسعفة الذهبية العام الماضي، في وقت تواجه فيه السينما الإيرانية تحديات سياسية وثقافية متصاعدة داخل البلاد.
** كوريدا يستبدل الحنين بالخوف التكنولوجي
المخرج الياباني هيروكازو كوريدا، المعروف بأفلامه الإنسانية الرقيقة، يدخل هذه المرة منطقة مختلفة تمامًا عبر فيلم “Lamb in the Box” أو “خروف في الصندوق”.
يتناول الفيلم قصة زوجين يحاولان تجاوز مأساة فقدان ابنهما عبر استبداله بروبوت ذكي، في معالجة تمزج بين الدراما الإنسانية والقلق الوجودي المرتبط بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويبدو العمل مستلهمًا جزئيًا من عالم “الأمير الصغير”، لكنه يعيد تقديم الأسئلة القديمة حول الحب والفقد والهوية داخل سياق معاصر شديد البرودة والغرابة.
** لوكاس دونت يذهب نحو الظلام
المخرج البلجيكي الشاب لوكاس دونت، الذي حقق نجاحًا عالميًا بفيلم “Close”، يعود هذا العام بفيلم يحمل عنوان “Coward”.
العنوان وحده يوحي بتحول أكثر قسوة في أسلوب المخرج، الذي اشتهر سابقًا بمعالجاته الحساسة للمراهقة والعلاقات الإنسانية.
التقارير الأولية تتحدث عن فيلم أكثر قتامة وعنفًا نفسيًا، ما يثير فضول النقاد الذين يعتبرون دونت أحد أهم الأصوات الأوروبية الجديدة.
** ليا ميسيوس تحتفي بالرعب العائلي
وفي السينما الفرنسية، تعود الكاتبة والمخرجة ليا ميسيوس إلى الإخراج عبر فيلم “Night Tales”، الذي تدور أحداثه خلال احتفال عائلي بعيد ميلاد يتحول تدريجيًا إلى ليلة مليئة بالتوتر والكشف النفسي.
وتُعرف ميسيوس بقدرتها على كتابة شخصيات معقدة وهشة في آن واحد، ما يجعل الفيلم مرشحًا ليكون أحد مفاجآت الدورة.
** مهرجان يعكس مزاج العالم الجديد
ما تكشفه قائمة أفلام كان 2026 لا يتعلق فقط بالأسماء المشاركة، بل بالمناخ الثقافي الذي يسيطر على السينما العالمية حاليًا.
فالأفلام المختارة هذا العام تبدو أكثر اهتمامًا بالهوية والذاكرة والقلق التكنولوجي والانقسامات الاجتماعية، بعيدًا عن الاستعراض التجاري التقليدي.
ويبدو الكروازيت هذا العام وكأنه منصة لإعلان مرحلة جديدة، تتراجع فيها المركزية الأمريكية لصالح سينما متعددة الأصوات واللغات، تبحث عن أشكال جديدة للحكي، وعن جمهور عالمي أكثر انفتاحًا على التجارب المختلفة.
وفي زمن تتغير فيه صناعة السينما بسرعة هائلة، يواصل مهرجان كان لعب دوره التاريخي بوصفه المرآة الأوضح لتحولات الفن السابع حول العالم.
