كان ـ خاص «سينماتوغراف»
اختار مهرجان كان السينمائي افتتاح دورته التاسعة والسبعين بفيلم «فينوس الكهربائية، La Vénus électrique» للمخرج الفرنسي بيير سلفادوري، لكن النتيجة جاءت أقل كثيرًا من طموحات ليلة الافتتاح، في عمل بدا أقرب إلى فيلم منزلي خفيف منه إلى افتتاحية تليق بأكبر مهرجان سينمائي في العالم.
الفيلم، الذي يمزج بين الرومانسية والكوميديا وأجواء باريس في عشرينيات القرن الماضي، يعاني من ضعف واضح في الإيقاع والكتابة، رغم امتلاكه عناصر بصرية وشخصيات كان يمكن أن تتحول إلى تجربة أكثر حيوية وسحرًا.
اللافت أن الفيلم انطلق من فكرة أصلية شارك في تطويرها كل من ريبيكا زلوتوفسكي وروبن كامبيلو، وهما اسمان يمتلكان حساسية سينمائية عالية وتجارب بارزة في السينما الفرنسية المعاصرة، ما يجعل النتيجة النهائية أكثر إثارة للاستغراب.
فبدلًا من تقديم عمل نابض بالمشاعر والخيال، يقدّم سلفادوري فيلمًا مرتبكًا يقف في منطقة رمادية بين الفانتازيا الساخرة والدراما العاطفية دون أن ينجح في تحقيق التوازن بينهما.
تدور الأحداث داخل كرنفال شعبي على أطراف باريس عام 1928، حيث تعمل سوزان، التي تؤدي دورها أناييس ديموستييه، كفتاة استعراضية تتعرض للصعق الكهربائي أمام الجمهور في عرض يحمل اسم “فينوس الكهربائية”.
شخصية سوزان تمتلك حضورًا لطيفًا وبراءة واضحة، لكن الفيلم يدفعها تدريجيًا نحو استنساخ غير مقصود لروح فيلم «أميلي، Amélie»، خصوصًا مع ملامح ديموستييه الطفولية وطريقة تقديم العالم المحيط بها.
تنقلب حياة سوزان عندما تلتقي بالرسام الأرمل أنطوان، الذي يجسد دوره بيو مارماي، وهو فنان محطم نفسيًا بعد وفاة زوجته إيرين.
ومن خلال سلسلة من جلسات تحضير الأرواح الزائفة، تنجح سوزان في إقناعه بأنها تتواصل مع روح زوجته الراحلة، لتبدأ لعبة خداع عاطفية معقدة تعيد الرجل تدريجيًا إلى الرسم والحياة.
الفيلم يحاول بناء حبكتين متوازيتين؛ الأولى تدور في الحاضر حول علاقة سوزان بأنطوان، والثانية تعود إلى الماضي لاستكشاف قصة الحب بين أنطوان وزوجته الراحلة إيرين، التي تؤديها فيمالا بونس.
لكن هذا البناء المزدوج لا يتماسك دراميًا، إذ تتحول التنقلات الزمنية والمفاجآت العاطفية إلى عبء يربك السرد بدلًا من تعميقه.
كما يفشل السيناريو في استثمار عناصره الواعدة؛ فالرومانسية تظل فاترة، والكوميديا تبدو مصطنعة، أما الدراما فلا تصل إلى التأثير المطلوب.
وحتى محاولات الانتحار والخداع العاطفي التي يفترض أن تمنح الأحداث توترًا إضافيًا، تمر بلا أثر حقيقي، بسبب افتقار الفيلم إلى الإيقاع والتصاعد النفسي المقنع.
بصريًا، يمتلك الفيلم بعض الجاذبية بفضل أجواء الكرنفال الملونة وحديقة الفيلا الباريسية الحالمة، لكن سلفادوري لا يذهب بعيدًا في استغلال هذا العالم بصريًا أو خياليًا. فهو لا يمنح الفيلم خفة الفانتازيا الكاملة، ولا يرسخه داخل دراما إنسانية عميقة، ليبقى العمل عالقًا دون هوية واضحة.
ورغم محاولات طاقم التمثيل إنقاذ الفيلم، خاصة أداء ديموستييه التي تحتفظ بجاذبية طبيعية، فإن الشخصيات تبدو أسيرة نص مرتبك يفتقد إلى الحيوية والذكاء العاطفي.
والنتيجة النهائية فيلم يحمل أفكارًا واعدة وديكورًا ساحرًا، لكنه يضيع داخل معالجة باهتة وساذجة، جعلت «فينوس الكهربائية» افتتاحًا مخيبًا لدورة كان هذا العام.
