«فجأة» تحفة المخرج الياباني ريوسوكي هاماغوتشي الأكثر نضجاً

رحلة فلسفية ساحرة تنتهي بصدمة تهز المشاعر

كان ـ خاص «سينماتوغراف»

يعود ريوسوكي هاماغوتشي إلى المسابقة الرئيسية لمهرجان كان السينمائي 2026 بفيلمه الجديد «فجأة ـ All of a Sudden»، أول عمل ناطق بالفرنسية للمخرج الياباني، ليثبت مرة أخرى أن السينما عند هاماغوتشي ليست مجرد سرد للأحداث، بل رحلة شعورية وفكرية عميقة داخل هشاشة الإنسان وعلاقاته ومخاوفه الوجودية.

بعد النجاح العالمي لفيلمه «قد سيارتي ـ Drive My Car»، يواصل هاماغوتشي انشغاله بأسئلة الفقد والذاكرة والحياة، لكن هذه المرة عبر علاقة استثنائية بين امرأتين تلتقيان مصادفة في باريس.

ومن خلال حوارات طويلة ومتدفقة، يبني الفيلم عالمه ببطء شديد، كأن المشاهد ينجرف داخل نهر هادئ لا يكشف عمقه الحقيقي إلا في اللحظات الأخيرة.

تدور أحداث الفيلم في باريس، حيث تعمل ماري-لو، التي تؤديها فيرجيني إيفيرا، مديرةً لدار رعاية للمسنين، وتحاول الدفاع عن مفهوم “الإنسانية” في التعامل مع المرضى، وسط ضغوط إدارية وإرهاق العاملين.

لا يقدّم الفيلم هذه البيئة بوصفها خلفية درامية فقط، بل كمرآة لمجتمع فقد قدرته على التعاطف الحقيقي تحت وطأة النظام الرأسمالي والإيقاع القاسي للحياة الحديثة.

في المقابل، تدخل ماري، التي تجسدها تاو أوكاموتو، حياة البطلة كنسمة غامضة ومضيئة. مخرجة مسرح تجريبي تحمل داخلها وعيًا مؤلمًا بقرب الموت بسبب إصابتها بالسرطان، لكنها رغم ذلك تبدو الأكثر احتفاءً بالحياة.

ومنذ اللقاء الأول بين المرأتين، يبدأ هاماغوتشي في بناء واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية دفئًا وصدقًا في السينما الحديثة، علاقة لا تقوم على الرومانسية التقليدية، بل على التفاهم الروحي والاحتياج العاطفي العميق.

قوة “فجأة” الحقيقية تكمن في حواراته. فهاماغوتشي لا يخشى الإطالة أو الصمت، بل يمنحهما قيمة درامية كاملة.

الشخصيتان تتحدثان عن السياسة، والرأسمالية، والديمقراطية، والموت، والفن، لكن الفيلم لا يبدو يومًا كأنه محاضرة فلسفية ثقيلة.

على العكس، تتحول هذه النقاشات إلى اعترافات إنسانية حميمة تكشف هشاشة الشخصيات وخوفها من الوحدة والزوال.

هنا يستعيد الفيلم روح سينما إريك رومر وريتشارد لينكليتر، حيث تصبح الكلمات وسيلة لاكتشاف الذات والآخر.

بصريًا، يختار هاماغوتشي أسلوبًا هادئًا ومتقشفًا، مع حركات كاميرا ناعمة وموسيقى بسيطة تزيد الإحساس بالحميمية بدلًا من فرض المشاعر على المشاهد.

باريس هنا ليست مدينة رومانسية حالمة، بل فضاء باردًا وواسعًا تبحث داخله الشخصيات عن دفء إنساني نادر. حتى المشاهد الأكثر تأثيرًا تأتي بلا ابتزاز عاطفي أو ميلودراما مفتعلة، وهو ما يمنح الفيلم صدقه الكبير.

أما الأداءات التمثيلية، فهي القلب النابض للفيلم. تقدّم فيرجيني إيفيرا شخصية معقدة تمزج بين الإخلاص الإنساني والتعالي غير المقصود، فيما تمنح تاو أوكاموتو الفيلم روحه الأكثر شاعرية وألمًا. حضورها يحمل هدوء من يعرف أن الوقت ينفد، لكنه لا يزال مؤمنًا بقدرة البشر على منح بعضهم معنى للاستمرار.

ورغم امتداد الفيلم لأكثر من ثلاث ساعات، فإن “فجأة” لا يشعر بالترهل، لأن هاماجوتشي يدرك تمامًا كيف يجعل الزمن جزءًا من التجربة الشعورية نفسها. نحن لا نشاهد علاقة تتطور فقط، بل نعيشها مع الشخصيات لحظة بلحظة، حتى تصبح تفاصيلها الصغيرة مؤثرة بشكل غير متوقع.

إنه فيلم عن الحياة بقدر ما هو عن الموت، وعن العلاقات العابرة التي قد تترك أثراً أبدياً.

ويبلغ الفيلم ذروته العاطفية في مشاهده الأخيرة، حين يُنثر رماد المخرجة اليابانية في الريف الذي أحبّته، بينما تعود مديرة دار الرعاية إلى روتينها اليومي المثقل بالمسؤولية. في تلك اللحظة الصامتة والمؤثرة، تتكامل أفكار الفيلم حول الموت والاستمرار، والفن بوصفه أثرًا يبقى بعد الغياب.

وفي النهاية، يخرج المشاهد من هذه التجربة الطويلة مثقلاً بالأفكار، لكنه ممتن لهذا القدر النادر من الصدق الإنساني الذي يقدمه هاماغوتشي في واحدة من أكثر أفلامه نضجاً وتأثيراً، والتي تؤكد أنه لا يصنع أفلامًا تُشاهد فقط، بل أفلامًا تُعاش وتبقى طويلًا في الذاكرة.

Exit mobile version