«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل
لم تكن أزمة بيتر باركر في Spider-Man: Brand New Day (سبايدرمان: يوم جديد) قوى خارقة، ولا مواجهة مع خصم جديد، ولا حتى محاولة لإنقاذ مدينة اعتادت أن تستيقظ على الفوضى.
الأزمة هذه المرة أكثر قسوة، لأنها تمس ما يسبق البطولة نفسها، الهوية.
منذ المشهد الختامي للفيلم السابق Spider-Man: No Way Home (سبايدرمان: لا عودة إلى الوطن)، لم تترك مارفل بطلها في عزلة جغرافية، بل في عزلة وجودية. فالعالم لم ينس سبايدرمان، لكنه نسي بيتر باركر.
وبين الشخصيتين تكمن الفكرة الأكثر نضجاً في هذا الفيلم، هل يمكن للإنسان أن يعرف نفسه إذا اختفى من ذاكرة الآخرين؟.
لا يتعامل الفيلم مع هذا السؤال بوصفه ذريعة لإطلاق مغامرة جديدة، بل يجعله العمود الفقري لبنيته السردية.
فالأحداث لا تتحرك لأن شريراً ظهر، وإنما لأن بطلاً فقد الشهود الوحيدين على حياته. هنا، يتحول فقدان الذاكرة من حيلة درامية إلى استعارة عن الإنسان المعاصر، الذي يعيد تشكيل هويته باستمرار وسط عالم سريع التبدل، حتى يصبح غريباً عن نفسه.
هذه المقاربة هي ما تميز الفيلم عن معظم أفلام مارفل بعد Avengers: Endgame (المنتقمون: نهاية اللعبة)، التي انشغلت بتوسيع الأكوان وتكثير الشخصيات أكثر من انشغالها بتطويرها.
أما (يوم جديد، Brand New Day) فيفعل العكس؛ إذ يضيق العالم حتى يترك المشاهد وجهاً لوجه مع شخصية واحدة، محاولاً اكتشاف ما تبقى منها بعد أن جُردت من كل ما كان يمنحها تعريفها.
ولا يكتفي المخرج ديستين دانيال كريتون بإعادة الشخصية إلى نقطة البداية، بل يعيد أيضاً سبايدرمان إلى بيئته الطبيعية.
فمدينة نيويورك هنا ليست ساحة لمعركة كونية، وإنما فضاء للاغتراب.
الأرصفة، ومحطات المترو، والشقق الضيقة، تبدو أقرب إلى المدينة التي عرفناها في أفلام سام ريمي منها إلى المدن الرقمية التي سيطرت على أفلام مارفل الأخيرة، وكأن الفيلم يريد القول إن استعادة البطل تبدأ باستعادة المكان الذي ينتمي إليه.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه ليس الصورة، بل إيقاع السرد.
فالفيلم يتخلى، إلى حد كبير، عن فكرة التصعيد المستمر التي أصبحت قاعدة في سينما الأبطال الخارقين.
لا يلهث وراء معركة أكبر في كل فصل، بل يمنح الشخصيات مساحة للتردد والصمت والندم.
هذا البطء ليس ضعفاً في الإيقاع، وإنما قرار واعٍ يجعل التحولات النفسية أكثر أهمية من التحولات البصرية.
وأكبر إنجاز حققه السيناريو أنه يرفض التعامل مع بيتر باركر وسبايدرمان بوصفهما الشخصية نفسها.
في معظم أفلام الأبطال الخارقين، يتحول القناع إلى امتداد للهوية. أما هنا، فيصبح القناع بديلاً عنها.
العالم يتذكر سبايدرمان، ويحتفي به، لكنه محا الإنسان الذي يقف خلفه.
إنها مفارقة ذكية، لأن الفيلم لا يتحدث عن فقدان الذاكرة بقدر ما يتحدث عن فقدان الاعتراف.
فمن نحن إذا اختفى كل من يعرف قصتنا؟، وهل تكفي ذاكرتنا الخاصة للحفاظ على هويتنا، أم أننا نصبح ما يتذكره الآخرون عنا؟.
هذه الفكرة لا تُطرح عبر الحوارات، بل تُبنى تدريجياً داخل تفاصيل الحياة اليومية. بيتر يعيش، يعمل، ينقذ الناس، لكنه يفعل كل ذلك بلا جذور. إنه يؤدي دور البطولة بينما فقد الحياة التي كانت تمنح البطولة معناها.
ولا يبني فالفيلم توتره على سؤال “هل سينتصر سبايدرمان؟”، لأن الإجابة معروفة مسبقاً، بل على سؤال أكثر تعقيداً، “أي نسخة من بيتر ستخرج من هذه الرحلة؟”، لذلك تتحول الشخصيات المحيطة إلى مرايا تعكس احتمالات مختلفة لمستقبل البطل.
إم جي (زندايا) لم تعد تؤدي وظيفة “الحبيبة” التي تنتظر الإنقاذ. وجودها أشبه بذاكرة تمشي على قدمين؛ كل مشهد يجمعها ببيتر يذكره بما خسره أكثر مما يمنحه أملاً باستعادته.
والعلاقة بينهما لم تعد رومانسية بقدر ما أصبحت سؤالاً عن إمكانية استعادة الزمن، وهي معركة يعرف الفيلم منذ البداية أنها مستحيلة.
أما نيد (جاكوب باتالون)، فيتحول من عنصر كوميدي إلى شاهد على حياة لم يعد صاحبها قادراً على الدخول إليها.
وجوده محدود زمنياً، لكنه بالغ الدلالة، لأنه يجسد العالم الذي استمر في الدوران بينما بقي بيتر واقفاً في المكان نفسه.
ويقدم جون بيرنثال، في دور The Punisher (المعاقب)، أفضل إضافة درامية في الفيلم. لا يدخل الحكاية ليزيد عدد الشخصيات، بل ليطرح رؤية مضادة لفلسفة سبايدرمان. كلاهما يحمل شعوراً بالذنب، لكن أحدهما يرى أن العدالة تبدأ بالرحمة، بينما يؤمن الآخر بأن العدالة لا تتحقق إلا بالعقاب. كل مواجهة بينهما ليست معركة جسدية، بل صدام بين تصورين أخلاقيين للعالم.
أما بروس بانر (مارك روفالو)، فيؤدي دوراً أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل أهمية. حضوره ليس استعراضاً لاسم كبير في عالم مارفل، بل تذكير بأن القوة، مهما بلغت، لا تعفي صاحبها من مواجهة نفسه. إنه يمثل المستقبل الذي يمكن أن ينتهي إليه بيتر إذا استمر في تعريف ذاته من خلال خسائره فقط.
وتبقى سادي سينك الورقة الأكثر غموضاً في الفيلم. السيناريو يتعمد تأجيل الكشف عن حقيقتها، ليس بهدف خلق مفاجأة وحسب، وإنما لأنها تمثل فكرة أكثر من كونها شخصية؛ فكرة أن المستقبل لا يولد من الماضي، بل من القدرة على التخلي عنه.
ويأتي أداء توم هولاند ليمنح هذه الفكرة عمقها الإنساني. فمنذ ظهوره الأول في عالم مارفل، ارتبط حضوره بالحيوية وخفة الظل، أما هنا فيقدم أداءً أكثر هدوءاً ونضجاً. يعتمد على الانكسار أكثر من الانفعال، وعلى نظرات طويلة تختصر ما لا يقوله الحوار. إنها المرة الأولى التي يبدو فيها هولاند معنياً بأداء شخصية درامية كاملة، لا مجرد بطل يؤدي واجبات الامتياز التجاري.
ولا يعني ذلك أن الفيلم يخلو من عيوبه. فبعض الخطوط الثانوية تبدو أقرب إلى التزامات مفروضة بحكم انتمائه إلى عالم مارفل، كما أن الخصم لا يمتلك الحضور الفكري أو الدرامي الذي يجعل منه نداً حقيقياً للبطل.
ولعل هذا يكشف مفارقة العمل؛ إذ إن أكثر عناصره إثارة للاهتمام ليست معاركه، بل لحظاته الصامتة.
وربما هنا تكمن قيمة “سبايدرمان: يوم جديد”، فهو لا يحاول إعادة اختراع أفلام الأبطال الخارقين، بل إعادة اكتشاف الإنسان الذي يقف خلف القناع. إنه فيلم عن الذاكرة بقدر ما هو فيلم عن المسؤولية، وعن الخوف من التغيير بقدر ما هو عن الشجاعة.
والأهم أنه يطرح سؤالاً نادراً في هذا النوع من السينما، إذا كان العالم قد نسيك، فهل تظل الشخص نفسه؟.
