«حياة امرأة» .. حين يتحول الكمال إلى انهيار صامت

دراما فرنسية ترصد هشاشة المرأة الحديدية

كان ـ  خاص «سينماتوغراف»

ضمن المسابقة الرسمية لـمهرجان كان السينمائي 79، عُرض فيلم «حياة امرأة A Woman’s Life» للمخرجة شارلين بورجوا-تاكيت، في عمل درامي فرنسي بلجيكي يمتد لـ98 دقيقة، ويغوص بهدوء قاسٍ داخل حياة امرأة تبدو مثالية من الخارج، بينما تتآكل تدريجيًا تحت وطأة الضغط النفسي والمهني والعاطفي.

تؤدي ليا دروكر دور “غابرييل”، جراحة متخصصة في ترميم الوجه داخل مستشفى حكومي فرنسي، تقود فريقًا طبيًا كاملًا وتتعامل يوميًا مع عمليات معقدة تمتد لساعات طويلة.

تؤمن غابرييل بأن مهمتها لا تقتصر على إعادة تشكيل الوجوه، بل إعادة المرضى إلى الحياة الاجتماعية ومنحهم فرصة الظهور “كأشخاص عاديين”.

لكن المفارقة أن المرأة التي تُعيد ترميم وجوه الآخرين تبدو عاجزة عن كشف هشاشتها الشخصية، إذ تعيش خلف قناع دائم من الصرامة والانضباط، حتى بات المحيطون بها يشبهونها بشخصية “روبوكوب”.

لا يكتفي الفيلم باستعراض نجاح غابرييل المهني، بل يكشف كيف تحوّل هوسها بالكمال والسيطرة إلى أسلوب حياة خانق. فهي تفرض نظامًا صارمًا على منزلها، وترفض أي خلل قد يعطل روتينها اليومي، حتى لو تعلق الأمر بأطفالها أو زوجها “هنري”، الذي يؤدي دوره شارل بيرلينغ، الرجل الذي يحب زوجته ويحترم قوتها، لكنه يشعر في الوقت نفسه بالاختناق من برودها العاطفي وصلابتها المستمرة.

ويتوسع الفيلم أكثر في رسم شخصية غابرييل من خلال علاقتها بوالدتها المصابة بالزهايمر، وإصرارها على تحمل عبء الرعاية وحدها تقريبًا، وكأن التضحية أصبحت جزءًا من تعريفها لنفسها.

كما يمنح الفيلم مساحة مهمة لشخصية “كاميار” التي يؤديها لوران كابيلوتو، مساعدها المخلص منذ ثلاثة عقود، والذي يتحول تدريجيًا إلى الركيزة الإنسانية الوحيدة في حياتها المضطربة.

وتظهر ميلاني تيري في دور “فريدا”، الكاتبة التي تزور المستشفى بحثًا عن مادة لروايتها الجديدة، قبل أن تنجذب إلى شخصية غابرييل القوية والغامضة. ومن خلال هذه العلاقة، يطرح الفيلم أسئلة دقيقة حول الوحدة العاطفية، والمرأة التي ترفض الاعتراف باحتياجاتها الإنسانية خوفًا من فقدان السيطرة.

تعتمد شارلين بورجوا-تاكيت على بناء سردي مقسم إلى 11 فصلًا قصيرًا، وكأنها تُشَرّح حياة بطلتها نفسيًا جزءًا بعد آخر.

هذا التقسيم يمنح الفيلم إيقاعًا متوترًا ومتدرجًا، يسمح للمشاهد بمراقبة الانهيار البطيء لغابرييل دون اللجوء إلى الانفجارات الميلودرامية التقليدية. فالفيلم لا يبحث عن الصدمة، بل عن التراكم الخفي للضغط، حتى يتحول التعب اليومي إلى شروخ داخلية لا يمكن ترميمها.

وتبلغ قوة الفيلم ذروتها في لحظات الانفعال الصغيرة؛ نوبات غضب مقتضبة، نظرات صامتة، أو مكالمة هاتفية متوترة عند مدخل قسم الطوارئ، وهي مشاهد تكشف هشاشة البطلة أكثر من أي خطاب مباشر. هنا تحديدًا ينجح الفيلم في تحويل التفاصيل اليومية إلى توتر إنساني عميق.

سينمائيًا، يعتمد “حياة امرأة” على أداء شديد الدقة من ليا دروكر، التي تقدم واحدًا من أكثر أدوارها نضجًا وتعقيدًا، عبر شخصية تبدو قوية ومتماسكة، لكنها تنهار داخليًا بصمت مرعب. كما تنجح المخرجة في خلق أجواء باردة ومضغوطة تعكس الحياة الميكانيكية لبطلتها، حيث يتحول المستشفى إلى امتداد نفسي لعالمها المغلق.

“حياة امرأة” ليس فيلمًا عن الطب أو النجاح المهني بقدر ما هو دراسة مؤلمة عن النساء اللواتي يحملن العالم على أكتافهن حتى يفقدن القدرة على الشعور بأنفسهن. إنه فيلم عن الإرهاق الصامت، وعن الثمن الإنساني للكمال، وعن امرأة اعتادت ترميم الآخرين، بينما تتصدع روحها ببطء بعيدًا عن الأنظار.

Exit mobile version