«حكايات متوازية» .. فرهادي يحوّل الخيال إلى قدر إنساني

فيلم مربك يفكك العلاقات البشرية إلى أسئلة أخلاقية

كان ـ  خاص «سينماتوغراف»

يعود المخرج الإيراني أصغر فرهادي في فيلم «حكايات متوازية، Histoires Parallèles» إلى هواجسه الإنسانية المعتادة، لكن هذه المرة عبر لعبة سينمائية معقدة تمزج بين المراقبة والتخيّل والكتابة، في عمل يتأمل العلاقة الملتبسة بين الفن والواقع، وبين القصص التي نبتكرها والحيوات التي نغيّرها من دون قصد. الفيلم، المشارك في المسابقة الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي 2026، يحمل روح أفلام التجسس النفسية الكلاسيكية، لكنه يظل في جوهره فيلمًا فرهاديًا خالصًا، مأهولًا بالقلق الأخلاقي والأسئلة الوجودية والانكسارات الإنسانية الصامتة.

منذ مشاهده الأولى، يبني فرهادي عالمًا قائمًا على التلصص وإعادة تشكيل الواقع. الكاتبة المنعزلة “سيلفي”، التي تجسدها الأسطورية إيزابيل هوبير، تقضي وقتها في مراقبة جيرانها الثلاثة من خلف النافذة، وتحويل تفاصيل حياتهم اليومية إلى مادة لروايتها الجديدة.

لكن ما يبدأ كلعبة خيال أدبي يتحول تدريجيًا إلى شبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة، حيث تصبح الكلمات قادرة على إعادة تشكيل مصائر البشر.

تمنح إيزابيل هوبير، الشخصية حضورًا ساحرًا وغامضًا في آنٍ واحد؛ امرأة فوضوية، ساخرة، ومنعزلة عن العالم، لكنها تمتلك حسًا حادًا تجاه تناقضات الآخرين.

وبطريقتها المعتادة، تنجح في جعل أكثر التصرفات غرابة تبدو طبيعية بالكامل، من إشعال سيجارتها بمحمصة الخبز إلى مراقبتها اليومية لجيرانها كما لو كانت تكتب سيناريو لحياتهم.

وفي الجهة المقابلة، يرسم فرهادي ثلاثيًا شديد التعقيد، فيرجيني إيفيرا، وبيير نيني، وفنسنت كاسيل، الذين يجسدون مهندسي صوت يعملون على صناعة المؤثرات السمعية للأفلام.

ومن خلال هذه المهنة تحديدًا، يبني فرهادي أحد أكثر استعاراته ذكاءً، كما يصنع مهندس الصوت صوتًا مزيفًا ليبدو حقيقيًا، يصنع الكاتب بدوره واقعًا متخيّلًا قد يصبح أكثر تأثيرًا من الحقيقة نفسها.

ومع دخول شخصية “آدم”، التي يؤديها آدم بيسا، يبدأ الفيلم في تفكيك حدوده بين الخيال والواقع.

آدم، الذي ينجذب إلى عالم سيلفي وقصتها، يتحول تدريجيًا من مراقب خارجي إلى جزء من اللعبة النفسية ذاتها، مدفوعًا بالرغبة في اكتشاف إن كانت رواية سيلفي مجرد اختلاق أدبي أم انعكاسًا خفيًا لحقيقة قائمة بالفعل.

بصريًا، يستخدم فرهادي الكاميرا المحمولة والتنقلات المفاجئة بين الواقع والتخيّل ليخلق شعورًا دائمًا بعدم اليقين.

المشاهد تتكرر أحيانًا بزوايا مختلفة أو ضمن سياقات جديدة، في محاولة لإبراز هشاشة الحقيقة وتعدد احتمالاتها. غير أن هذا الخيار الأسلوبي، رغم ذكائه، يصبح أحيانًا عبئًا على إيقاع الفيلم، إذ يؤدي التكرار إلى حالة من الترهل تجعل العمل أقل تماسكًا مما ينبغي.

ورغم ذلك، تبقى قوة الفيلم الأساسية في أداء ممثليه وقدرة فرهادي على التقاط الانفعالات الصغيرة والآلام الصامتة.

لا أحد في الفيلم يشرح مشاعره مباشرة؛ كل شيء يظهر عبر النظرات المرتبكة، الصمت الطويل، أو التوتر المختبئ خلف الكلمات اليومية العادية. وكعادته، يبرع فرهادي في تحويل التفاصيل العابرة إلى شروخ نفسية عميقة.

 

لكن «حكايات متوازية» ليس مجرد فيلم عن التجسس أو العلاقات المعقدة، بل تأمل ذاتي من فرهادي نفسه حول مسؤوليته ككاتب ومخرج. ماذا يعني أن تستلهم حياة الآخرين؟، وهل يملك الفن الحق في إعادة تشكيل الواقع؟.

الفيلم يطرح هذه الأسئلة دون إجابات حاسمة، لكنه يلمح باستمرار إلى أن القصص ليست بريئة أبدًا، وأن الكلمات قد تترك أثرًا دائمًا في حياة البشر.

في النهاية، يقدّم فرهادي فيلمًا شديد الذكاء والطموح، يمزج بين التشويق النفسي والتأمل الفلسفي، حتى وإن تعثر أحيانًا تحت ثقل أفكاره المتكررة.

وما يمكن قوله في النهاية، أن «حكايات متوازية» ليس أفضل أفلامه، لكنه يظل عملًا يحمل بصمته الإنسانية الواضحة، ويؤكد مجددًا أن فرهادي ما يزال أحد أكثر السينمائيين المعاصرين قدرة على تفكيك العلاقات البشرية وتحويل أبسط التفاصيل إلى أسئلة أخلاقية كبرى.

Exit mobile version