تيري فريمو .. الرجل الذي جعل «كان» أسطورة سينمائية

25 عاماً عززت مكانته كأحد أكثر مديري المهرجانات نفوذاً

«سينماتوغراف» ـ أسـامة عسـل

على مدار ربع قرن، لم يكن اسم تيري فريمو مجرد مدير لمهرجان كان السينمائي، بل تحول إلى أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في صناعة السينما العالمية.

فمنذ توليه الإدارة الفنية للمهرجان عام 2001، نجح الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي في تحويل “كان” إلى منصة تتجاوز فكرة العروض والجوائز، لتصبح مركزاً لصناعة الاتجاهات السينمائية، واكتشاف المواهب، وصناعة اللحظة الثقافية العالمية.

ومع احتفال مهرجان كان هذا العام بمرور 25 عاماً على قيادة فريمو، تبدو الرحلة أشبه بتاريخ موازٍ للسينما الحديثة نفسها؛ رحلة شهدت صعود المنصات الرقمية، وتغير خريطة النجومية، وعودة السينما الآسيوية، والانفجار العالمي للسينما العربية، والتحولات السياسية والثقافية التي انعكست مباشرة على شاشة الكروازيت.

ولد تيري فريمو عام 1960 بمدينة ليون الفرنسية، وبدأ علاقته الحقيقية بالسينما عبر معهد لوميير، المؤسسة التي كرست إرث الأخوين لوميير، مخترعي السينما الأوائل.

قبل وصوله إلى “كان”، كان فريمو معروفاً كمؤرخ سينمائي يمتلك معرفة عميقة بتاريخ الصورة، وليس كإداري تقليدي. وهذه الخلفية الفكرية انعكست لاحقاً على اختياراته الفنية، التي جمعت بين السينما المؤلفة والأفلام الجماهيرية، وبين الأسماء الكبرى والمواهب الجديدة.

وعندما عُيّن مديراً فنياً لمهرجان كان خلفاً لجيل جاكوب، بدأ سريعاً في إعادة صياغة هوية المهرجان بما يناسب القرن الجديد.

أحد أهم إنجازات فريمو تمثل في توسيع مفهوم “السينما العالمية”. ففي عهده، لم يعد “كان” مهرجاناً أوروبياً يحتفي بالسينما الفرنسية والإيطالية فقط، بل تحول إلى مساحة حقيقية لصعود سينمات جديدة من آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا.

شهدت سنواته الذهبية صعود أسماء مثل: بونغ جون هو، بارك تشان ووك، أصغر فرهادي، نوري بيلجي جيلان، أبيشاتبونغ ويراسيثاكول، وغيرهم من المخرجين الذين أصبحوا لاحقاً من أهم رموز السينما العالمية الحديثة.

كما لعب دوراً أساسياً في إعادة الاعتبار للسينما الكورية الجنوبية قبل انفجارها العالمي بفيلم Parasite، الذي فاز بالسعفة الذهبية عام 2019 قبل أن يحقق إنجازاً تاريخياً في الأوسكار.

وما ميّز تيري فريمو عن كثير من مديري المهرجانات هو قدرته على الموازنة بين السينما الفنية الصعبة والبعد الجماهيري والاستعراضي.

في عهده، تحولت السجادة الحمراء إلى حدث إعلامي عالمي، لكنه في الوقت نفسه حافظ على الهوية الفنية الصارمة للمسابقة الرسمية.

فهو الرجل الذي استضاف: مارتن سكورسيزي، كوينتن تارانتينو، ديفيد لينش، بيدرو ألمودوفار، الأخوين داردين، مايكل هانيكه، وفي الوقت ذاته فتح أبواب “كان” لأفلام هوليوودية ضخمة مثل: توب غان: مافريك، ماد ماكس: طريق الغضب، إلفيس، قتلة زهرة القمر، ليؤكد أن السينما التجارية يمكن أن تتعايش مع السينما المؤلفة داخل مهرجان واحد.

وربما كانت واحدة من أكثر لحظات فريمو إثارة للجدل، معركته الشهيرة مع منصات البث الرقمي، وعلى رأسها نتفليكس.

فبعد مشاركة أفلام نتفليكس في المسابقة الرسمية عام 2017، واجه المهرجان عاصفة من الانتقادات من أصحاب دور العرض الفرنسية، ما دفع فريمو إلى فرض قاعدة تمنع مشاركة أي فيلم لا يُعرض تجارياً في صالات السينما الفرنسية.

ورغم الانتقادات، ظل فريمو مدافعاً شرساً عن “تجربة السينما الجماعية”، معتبراً أن مشاهدة الفيلم داخل قاعة مظلمة جزء أساسي من هوية الفن السابع.

وخلال العقد الأخير، لعب فريمو دوراً مهماً في تعزيز حضور السينما العربية داخل مهرجان كان، سواء عبر المسابقة الرسمية أو الأقسام الموازية أو سوق الأفلام.

شهدت فترته حضوراً متزايداً لمخرجين عرب مثل: نادين لبكي، كوثر بن هنية، محمد دياب، إيليا سليمان، علي شري، أمجد الرشيد، ومريم التوزاني.

كما أصبح الجناح العربي ومشاريع الإنتاج المشترك جزءاً ثابتاً من المشهد السنوي للمهرجان.

ويرى كثير من النقاد أن فريمو ساهم في نقل السينما العربية من خانة “السينما الهامشية” إلى موقع أكثر حضوراً وتأثيراً عالمياً.

لم تكن رحلة فريمو خالية من التحديات.

فقد واجه: أزمة جائحة كورونا وإلغاء نسخة 2020، الجدل السياسي المرتبط بالحروب والرقابة، قضايا تمثيل النساء داخل الصناعة، اتهامات النخبوية للمهرجان، التوازن الصعب بين الفن والسوق.

لكن قدرته على الحفاظ على هيبة “كان” وسط كل هذه التحولات عززت مكانته كأحد أكثر مديري المهرجانات نفوذاً في العالم.

وبعيداً عن البروتوكولات، يُعرف تيري فريمو بشغفه الهائل بالسينما. فهو يشاهد مئات الأفلام سنوياً، ويشارك شخصياً في بناء البرنامج الفني للمهرجان.

كما يُنظر إليه باعتباره “حارس ذاكرة السينما”، خصوصاً عبر عمله في ترميم الأفلام الكلاسيكية ودعمه لمشاريع الحفاظ على التراث السينمائي العالمي.

وفي زمن تتغير فيه صناعة الترفيه بسرعة هائلة، يبدو فريمو متمسكاً بفكرة قديمة لكنها جوهرية: أن السينما ليست مجرد محتوى، بل تجربة ثقافية وإنسانية كاملة.

بعد ربع قرن على توليه إدارة مهرجان كان، أصبح من الصعب فصل اسم تيري فريمو عن هوية المهرجان نفسه.

فالرجل لم يكتفِ بإدارة أكبر مهرجان سينمائي في العالم، بل ساهم فعلياً في إعادة تشكيل خريطة السينما الدولية خلال الألفية الجديدة.

ومع كل دورة جديدة، يواصل فريمو البحث عن الفيلم القادر على إيقاف العالم لدقيقتين أمام شاشة عملاقة في قصر المهرجانات.. وهي المهمة التي كرّس لها حياته منذ 25 عاماً.

Exit mobile version