كان ـ خاص «سينماتوغراف»
بعد أكثر من عقد على فيلمها الوثائقي اللافت “بيت التوت”، تعود المخرجة اليمنية سارة إسحاق بفيلمها الروائي الطويل الأول “المحطة”، الذي عرض ضمن مسابقة أسبوع النقاد في مهرجان كان السينمائي 79، وهو عمل إنساني شديد الحساسية والدفء، يتناول الحياة اليومية وسط الحرب الأهلية اليمنية بعيدًا عن الصور النمطية والخطابات السياسية المباشرة. والنتيجة فيلم متعدد الطبقات، يفيض بالحياة والألم والتضامن النسائي، ويؤكد أن السينما قادرة على استعادة إنسانية الشعوب حتى في أكثر اللحظات قسوة.
منذ مشاهده الأولى، يكشف “المحطة” عن رؤية سينمائية واثقة وناضجة. تفتتح إسحاق فيلمها بلقطة تتبعية بارعة لنساء يرتدين النقاب والعبايات السوداء، يدخلن المدينة أو يصطففن بسياراتهن أمام محطة وقود مخصصة للنساء فقط، بينما يسيطر هدير الطائرات المقاتلة على الخلفية الصوتية.
على الجدران صور فتيان قُتلوا في الحرب وأصبحوا “شهداء”، فيما تعلن لافتة عند مدخل المكان: “ممنوع الرجال، ممنوع الأسلحة، ممنوع السياسة”.
بهذه التفاصيل البسيطة، ترسم المخرجة عالمًا كاملًا تختلط فيه الحياة اليومية بالخوف المستمر.
تدور الأحداث داخل محطة الوقود التي تديرها ليال، المرأة الذكية والقوية التي تؤدي دورها منال المليكي بحضور هادئ ومؤثر.
المحطة ليست مجرد مكان لبيع البنزين النادر، بل مساحة نسائية حرة، تبيع فيها النساء الملابس المهربة، ومستحضرات التجميل، ويدخن الشيشة، ويتبادلن الأحاديث والضحكات بعيدًا عن سلطة الرجال والحرب والانقسامات الطائفية. المكان يبدو وكأنه واحة مؤقتة وسط بلد ينهار ببطء.
لكن هذا الدفء لا يستمر طويلًا. حين تُجبر ليال على دفع مبلغ مالي ضخم لحماية شقيقها الصغير ليث من التجنيد القسري، يبدأ الفيلم بالتحول تدريجيًا نحو مساحة أكثر قتامة نفسيًا وبصريًا.
هنا تصبح الحرب أكثر حضورًا، ليس عبر المعارك أو الانفجارات، بل عبر تأثيرها العميق على تفاصيل الحياة الصغيرة، وعلى الأطفال الذين يُجبرون على فقدان طفولتهم مبكرًا.
أحد أكبر إنجازات الفيلم يكمن في كتابته الذكية، التي شاركت فيها إسحاق مع نادية عليوات. السيناريو لا يسعى إلى تقديم شخصيات رمزية أو شعارات سياسية، بل يخلق بشرًا حقيقيين مليئين بالتناقضات.
العلاقة المتوترة بين ليال وشقيقتها شمس، التي تعيش في منطقة خاضعة لسلطة مختلفة، تمنح الفيلم بعدًا عاطفيًا قويًا، خصوصًا مع شعور كل منهما بالذنب والخسارة بعد مقتل أفراد من العائلة.
لكن المفاجأة الأهم في “المحطة” هي الطريقة التي يتعامل بها مع الشخصيات الذكورية الصغيرة. ليث وأحمد ليسا مجرد طفلين على هامش الحكاية، بل قلبها الإنساني الحقيقي.
ليث يشعر بالضياع داخل عالم نسائي بالكامل، ويتوق إلى نموذج ذكوري ورفقة صبيانية طبيعية، بينما يبدو أحمد أكبر من عمره بسبب الحرب التي أجبرته على النضوج المبكر. الصداقة التي تنشأ بينهما تأتي ببساطة شديدة، لكنها تكشف حجم الخراب الذي أصاب مفهوم الطفولة نفسه.
إسحاق تنجح أيضًا في تقديم صورة مختلفة للحجاب والنقاب داخل الفيلم. ففي أحد أكثر المشاهد تأثيرًا قرب النهاية، تستخدم النساء أغطية الرأس لحماية فضائهن الخاص من الرجال الغاضبين خارج المحطة. المشهد لا يُقدَّم بوصفه خطابًا أيديولوجيًا، بل كصورة معقدة عن كيفية تحوّل الأشياء المرتبطة بالقمع أحيانًا إلى أدوات حماية وتضامن داخل سياقات معينة.
على المستوى البصري، يقدم مدير التصوير أمين برادة عملًا شديد الحساسية. الكاميرا تتحرك بانسيابية داخل فضاء المحطة، مراقبة الشخصيات دون اقتحام خصوصيتها. الألوان الدافئة في البداية تمنح المكان إحساسًا بالحياة والحميمية، قبل أن تصبح الصورة أكثر برودة وظلمة مع تصاعد التوتر. الإضاءة الليلية خصوصًا تُستخدم ببراعة لتعزيز شعور القلق وعدم اليقين الذي يسيطر على الشخصيات مع اقتراب النهاية.
ورغم أن أغلب الممثلين غير محترفين، فإن الأداء يبدو طبيعيًا ومليئًا بالعفوية. الحوار يتدفق بسلاسة لافتة، والعلاقات بين الشخصيات تحمل صدقًا نادرًا، وهو ما يكشف حجم العمل الذي بُذل خلال ورش التحضير الطويلة، خاصة أن التصوير جرى في الأردن وليس اليمن بسبب ظروف الحرب.
“المحطة” ليس فيلمًا عن الحرب بقدر ما هو فيلم عن الناس الذين يحاولون الاستمرار في الحياة رغم الحرب. إنه عمل يرفض اختزال اليمن في صور الدمار والمجاعة، ويختار بدلًا من ذلك التركيز على النساء اللواتي يصنعن مساحات صغيرة للحياة والضحك والحب داخل واقع ينهار باستمرار.
وربما لهذا السبب تحديدًا يبدو غياب الفيلم عن الأقسام الرئيسية في مهرجان كان خسارة حقيقية، لأن “المحطة” يمتلك كل ما يجعل منه أحد أبرز الأفلام العربية وأكثرها إنسانية في السنوات الأخيرة.
