«الرجل الذي أحببته» .. رامي مالك يتألق بأداء استثنائي

الحب والإيدز والفن في مرثية ساحرة لنيويورك الثمانينيات

كان ـ خاص «سينماتوغراف»

يعود المخرج الأمريكي إيرا ساكس في فيلمه “الرجل الذي أحببته” (The Man I Love) إلى نيويورك أواخر الثمانينيات، تلك المدينة التي كانت تتنفس الفن والرغبة والتمرد حتى في أكثر لحظاتها ظلمة، ليصنع واحدًا من أكثر أفلامه رهافة وإنسانية.

وبينما كان وباء الإيدز يفتك بجيل كامل من الفنانين والمهمشين، لا يختار ساكس تقديم مأساة تقليدية عن المرض والموت، بل يصنع فيلمًا يحتفي بالحياة نفسها؛ بالفن، والرغبة، والهشاشة، وبالناس الذين يواصلون الغناء حتى وهم يقتربون من النهاية.

في قلب هذه الحكاية يقف “جيمي جورج”، الذي يجسده رامي مالك في أداء استثنائي يُعد دون مبالغة الأفضل في مسيرته الفنية حتى الآن.

جيمي فنان أداء ومغنٍ يعيش داخل المشهد المسرحي التجريبي في نيويورك، يصارع المرض بعدما نجا بالكاد من التهاب رئوي مرتبط بالإيدز، ويحاول التمسك بما تبقى من حياته عبر الفن والعلاقات والرغبة في أن يُرى ويُسمع قبل أن يختفي.

ومنذ اللحظة الأولى، يقدّم مالك شخصية معقدة ومتناقضة؛ رجل هش ومؤذٍ في الوقت نفسه، متطلب، نرجسي، مضحك، مؤلم، ومليء بحاجة يائسة للحب والاعتراف.

لا يتعامل الفيلم مع جيمي بوصفه “ضحية مثالية”، وهي إحدى أكثر نقاط قوته جرأة. فساكس، كما اعتاد دائمًا، يرفض الصور النمطية السهلة.

جيمي قد يكون ساحرًا ومؤثرًا، لكنه أيضًا قادر على إيذاء من حوله بأنانيته واندفاعه وعلاقاته المتشابكة. وحتى مع اقتراب نهايته، يواصل الركض خلف الرغبة والحفلات والعلاقات الجديدة، وكأنه يرفض أن يسمح للموت بأن يحدد الطريقة التي سيعيش بها أيامه الأخيرة.

وتبدأ تعقيدات حياته العاطفية مع وجود شريكه المخلص دينيس، الذي يؤديه توم ستوريدج بأداء بالغ الحساسية والهدوء.

دينيس ليس مجرد حبيب، بل ممرض ورفيق وسند نفسي لرجل ينهار تدريجيًا أمامه. وفي المقابل، يدخل إلى حياة جيمي جار جديد يُدعى فينسنت، يؤديه لوثر فورد، شاب مندفع ومفتون بعالم جيمي الفني والوجودي، لتنشأ علاقة جديدة تكشف هشاشة الجميع بدلًا من خلق مثلث حب تقليدي.

سيناريو ساكس وشريكه الدائم ماوريسيو زاكارياس يتجنب الميلودراما المباشرة، ويركّز بدلًا من ذلك على التفاصيل اليومية الصغيرة؛ التدريبات المسرحية، السهرات، الأغاني العابرة، النظرات الصامتة، والحوارات التي تبدو وكأنها تُهمس أكثر مما تُقال.

لا توجد خطابات كبرى عن الإيدز أو الموت، بل إحساس دائم بوجوده في الخلفية، كظل ثقيل يرافق الشخصيات دون الحاجة إلى تسميته صراحة.

وهذه المقاربة تمنح الفيلم صدقًا مؤلمًا، لأنه يبدو كأنه يراقب حياة حقيقية تتفكك بهدوء أمامنا.

بصريًا، يصنع ساكس فيلمًا يبدو أقرب إلى وثائقي حميمي عن شخصيات خيالية. الكاميرا تقترب من الوجوه والأجساد والمساحات الصغيرة، بينما تبدو المشاهد وكأنها مقتطفات مسروقة من الحياة اليومية.

لا يهتم المخرج بالبناء التقليدي أو الإيقاع الدرامي الحاد، بل يفضّل الانسيابية والارتجال والإحساس اللحظي، مستلهمًا روح سينما جون كاسافيتس وروبرت ألتمان، لكن بصوته الخاص الأكثر هدوءًا وتأملًا.

كما يمنح الفيلم مساحة كبيرة للموسيقى، ليس بوصفها استعراضًا غنائيًا، بل كامتداد مباشر لحالة الشخصيات النفسية.

ويقدّم رامي مالك لحظات غنائية مؤثرة للغاية، خصوصًا في أدائه لأغنية “The Man I Love” لجورج غيرشوين، التي يمنح الفيلم عنوانه منها، وأغنية “Look What They’ve Done to My Song, Ma” لميلاني، والتي تتحول في أحد أقوى مشاهد الفيلم إلى مرثية حزينة لفنان يشعر بأن العالم توقف عن الإصغاء إليه.

في تلك اللحظات تحديدًا، يقدّم مالك أداءً بالغ الصدق والانكشاف، بعيدًا تمامًا عن أي استعراض تمثيلي مباشر.

ويحيط الفيلم بطله بمجموعة رائعة من الممثلين، أبرزهم ريبيكا هول في دور شقيقة جيمي، التي تمنح الشخصية حضورًا دافئًا وموجعًا رغم محدودية ظهورها، إلى جانب إيبون موس-باشراخ الذي يضيف ثقلًا إنسانيًا هادئًا للمشهد العائلي. وحتى الشخصيات الثانوية تبدو مكتوبة ومؤداة بعناية، وكأن ساكس يمنح الجميع فرصة للحياة داخل الفيلم، لا مجرد خدمة مسار البطل الرئيسي.

ولا يقتصر نجاح “الرجل الذي أحببته” على الجانب الإنساني فقط، بل يمتد أيضًا إلى إعادة خلق نيويورك الفنية في الثمانينيات بكل صدقها وفوضاها.

من تصميم الإنتاج إلى الأزياء والموسيقى، ينجح الفيلم في استعادة عالم كامل من الفنانين والمسرحيين والمغنين الذين عاشوا تحت ظل المرض، لكنهم تمسكوا بالإبداع كوسيلة للبقاء.

ومن اللافت أن الفيلم لا يغرق في النوستالجيا الرخيصة أو التجميل البصري المبالغ فيه، بل يقدّم تلك الحقبة بحميمية واقعية وحزن مكتوم.

ورغم أن الفيلم يتعمد أحيانًا الفوضى السردية والتقطيع المفاجئ للمشاهد، فإن هذا الأسلوب يصبح جزءًا من روحه العامة؛ حياة تتحرك بسرعة، وعلاقات تتشكل وتنهار، وأشخاص يحاولون الإمساك بأي لحظة دفء قبل الاختفاء.

وربما لهذا السبب يبدو “الرجل الذي أحببته” أقل اهتمامًا بالقصة التقليدية وأكثر اهتمامًا بالإحساس الداخلي الذي تتركه الشخصيات خلفها.

وفي النهاية، يقدّم إيرا ساكس واحدًا من أكثر أفلامه نضجًا وشفافية، فيلمًا عن الحب والفن والخوف والوحدة، وعن أشخاص يعرفون أن وقتهم محدود لكنهم يواصلون الغناء رغم ذلك.

أما رامي مالك، فيقدّم هنا أداءً استثنائيًا يخلع عنه أخيرًا كل الأحكام المسبقة التي لاحقته لسنوات، ويؤكد أنه ممثل يمتلك قدرة نادرة على تحويل الهشاشة والانكسار إلى حضور إنساني لا يُنسى.

Exit mobile version