«الجنس والموت في معسكر ميازما».. رحلة مرعبة داخل الرغبة والهوية

جين شونبرون تحوّل الخوف النفسي إلى اعتراف إنساني مؤلم

كان ـ  خاص «سينماتوغراف»

«الجنس والموت في معسكر ميازما» الذي افتتح مسابقة «نظر ما» في مهرجان كان السينمائي 79،  ليس فيلمًا سهلًا أو جماهيريًا، لكنه عمل جريء وصادق، يستخدم الرعب والخيال لتشريح العلاقة المعقدة بين الإنسان وجسده ورغباته.

تواصل المخرجة جين شونبرون مشروعها السينمائي القائم على تفكيك الهوية والهواجس الداخلية عبر فيلمها الجديد، وهو عمل غريب ومربك عمدًا، يمزج بين الرعب النفسي والكوميديا السوداء والتأمل الشخصي في معنى الجسد والرغبة والانتماء. وبعد النجاح النقدي لفيلمها رأيت توهج التلفاز، تعود شونبرون إلى عالم الثقافة الشعبية وأفلام الرعب القديمة، لكن هذه المرة عبر رحلة أكثر جرأة وخصوصية.

تدور الأحداث حول “كريس”، المخرجة الشابة التي تؤدي دورها هانا إينبايندر، والتي تحاول إعادة إحياء سلسلة أفلام الرعب الشهيرة “كامب ميازما”، المتمحورة حول شخصية القاتل الغامض “ليتل ديث”، وهو كيان يتحدى التصنيفات الجندرية التقليدية.

لكن رحلة كريس إلى كوخ الممثلة المعتزلة “بيلي”، التي تؤدي دورها جيليان أندرسون، تتحول تدريجيًا إلى مواجهة نفسية مع مخاوفها ورغباتها وعلاقتها المضطربة بجسدها.

لا تقدم شونبرون فيلم رعب تقليديًا، بل تستخدم عناصر الرعب كأداة رمزية لفهم القلق الجنسي والاغتراب الداخلي.

فالفيلم غارق في الإشارات الثقافية والسينمائية، بدءًا من أفلام الرعب الدموية في الثمانينيات، وصولًا إلى ظلال سانسيت بوليفارد وأيقوناته المنسية. لكن هذه الإحالات لا تأتي بوصفها استعراضًا ثقافيًا، بل كجزء من عالم سينمائي يعكس ارتباك البطلة نفسها، وعجزها عن الفصل بين الخيال والواقع.

وتنجح شونبرون في تحويل “معسكر ميازما” إلى فضاء نفسي أكثر منه مكانًا حقيقيًا. الكوخ المعزول، الخلفيات المشبعة بالألوان، الدماء المبالغ فيها، والشخصيات التي تبدو وكأنها خرجت من حلم مشوش، كلها عناصر تمنح الفيلم طابعًا سرياليًا متعمدًا.

هنا، لا تسعى المخرجة إلى الواقعية بقدر ما تبحث عن الإحساس الداخلي، وعن ترجمة المشاعر المعقدة إلى صور مشوهة ومربكة.

أحد أبرز محاور الفيلم يتمثل في شعور كريس بالنفور من جسدها وعجزها عن فهم الرغبة الجنسية بالطريقة التي يعيشها الآخرون.

ومن خلال علاقتها ببيلي، التي تبدو كنجمة قديمة عالقة بين الماضي والأسطورة، يبدأ الفيلم في تفكيك فكرة “الرغبة” بوصفها شيئًا مخيفًا وغامضًا بقدر ما هو جذاب. وتبلغ هذه الفكرة ذروتها عبر مشهد محوري داخل الفيلم، يكشف كيف تحولت أفلام الرعب بالنسبة إلى كريس إلى وسيلة لفهم ذاتها المعقدة.

ورغم قتامة الموضوعات، لا يخلو العمل من حس كوميدي ساخر. فالحوارات اللاذعة والمبالغات البصرية تمنح الفيلم طاقة هجائية تخفف من ثقل أفكاره الوجودية.

وتقدم هانا إينبايندر أداءً حادًا ومتوترًا يعكس هشاشة الشخصية خلف سخريتها المستمرة، بينما تستمتع جيليان أندرسون بأداء دور امرأة غامضة ومتهالكة نفسيًا، لتصبح بمثابة مرآة لهواجس المخرجة وأفكارها الشخصية.

يبدو فيلم «الجنس والموت في معسكر ميازما».. وكأنه اعتراف شخصي مشفر أكثر من كونه سردًا تقليديًا. فشونبرون لا تشرح كل شيء، ولا تمنح المشاهد إجابات مريحة، بل تدفعه إلى التورط داخل عالم مرتبك تتداخل فيه الذاكرة والرغبة والخوف، وربما لهذا السبب تحديدًا يترك الفيلم أثره العاطفي والفكري رغم غرابته المتعمدة.

Exit mobile version