لوس أنجلوس ـ «سينماتوغراف»
بدأت معركة فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان قبل أسبوع من وصوله إلى دور العرض العالمية، في مشهد نادر لفيلم يحمل توقيع أحد أكثر صناع السينما نفوذًا في هوليوود.
فبينما تتزايد التوقعات بأن يكون أحد أكبر أحداث الموسم السينمائي، تحوّل التريلر الدعائي إلى ساحة حرب إلكترونية، مع تصاعد دعوات المقاطعة، وحملات انتقاد واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، واتهامات للمخرج بـ«تشويه» ملحمة هوميروس الشهيرة.
ورغم أن الفيلم، الذي تبلغ ميزانيته نحو 250 مليون دولار ويُعد الأعلى تكلفة في مسيرة نولان، لم يُعرض بعد للجمهور، فإن الجدل حوله تجاوز حدود النقد الفني إلى صدام ثقافي وسياسي، شارك فيه مشاهير ومؤرخون ومتابعون للأساطير الإغريقية، يتقدمهم رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك.
وبحسب تقديرات مواقع متخصصة ترصد أزرار الإعجاب وعدم الإعجاب على «يوتيوب»، تجاوزت نسبة إشعارات «غير محبوب» للتريلر الرسمي 80%، ليصبح أحد أكثر الإعلانات الدعائية تعرضًا للرفض الجماهيري في تاريخ الأفلام الحديثة، بعد فيلم «بياض الثلج»، في مؤشر يعكس حجم الانقسام الذي سبق عرض الفيلم نفسه.
وتجدر الإشارة إلى أن «يوتيوب» لم يعد يعرض أعداد «عدم الإعجاب» رسميًا، لذلك تستند هذه الأرقام إلى أدوات خارجية تعتمد على تقديرات تقنية.
ويشارك في بطولة الفيلم نخبة من نجوم هوليوود، يتقدمهم مات ديمون في دور أوديسيوس، إلى جانب آن هاثاواي، وتوم هولاند، وزندايا، وتشارليز ثيرون، ولوبيتا نيونجو، وروبرت باتينسون، وجون بيرنثال، بينما كتب نولان السيناريو وأخرجه، معتمدًا على الملحمة الشعرية التي وضعها هوميروس قبل نحو ثلاثة آلاف عام، والتي تتكون من 24 كتابًا وتحكي رحلة أوديسيوس الشاقة للعودة إلى وطنه بعد حرب طروادة.
وتركزت الانتقادات على اختيارات فريق التمثيل أكثر من أي عنصر آخر. فقد أثار اختيار الممثلة الحائزة على الأوسكار لوبيتا نيونجو لتجسيد شخصية هيلين، التي تعد في الأسطورة «أجمل امرأة في العالم»، موجة اعتراضات واسعة من بعض المتابعين الذين اعتبروا الاختيار ابتعادًا عن الوصف التقليدي للشخصية في الأدب الإغريقي.
كما أثار إسناد دور المحارب الإغريقي سينون إلى الممثل العابر جنسيًا إليوت بيج جدلًا مماثلًا، وسط اتهامات بأن الفيلم يخضع لما وصفه منتقدون بـ«اعتبارات هوليوودية معاصرة» على حساب الدقة التاريخية والوفاء للنص الأصلي.
ولم يتوقف الجدل عند التمثيل، إذ اتهم منتقدون نولان بعدم إسناد أي دور رئيسي لممثلين يونانيين، رغم أن الفيلم يستند إلى واحدة من أشهر الملاحم اليونانية، وصُورت أجزاء كبيرة منه في اليونان.
وامتدت الانتقادات إلى التفاصيل الفنية، إذ رأى عدد من المتابعين أن الحوار الوارد في التريلر يستخدم لغة معاصرة قريبة من مفردات «جيل زد»، بما لا ينسجم مع البيئة الزمنية التي تدور فيها الأحداث.
كما تعرض الفيلم لانتقادات بسبب تصميم بعض الأزياء والأسلحة، التي اعتبرها مؤرخون ومهتمون بالتراث الإغريقي بعيدة عن الحقبة التاريخية لحرب طروادة، إضافة إلى اعتراضات على تصوير جزء من الفيلم في مدينة ورزازات المغربية، بدلًا من الاكتفاء بالتصوير داخل اليونان.
وكان إيلون ماسك من أبرز الأصوات التي صعّدت الهجوم على الفيلم، إذ نشر عبر حسابه على منصة «إكس» عدة تعليقات انتقد فيها اختيارات نولان، معتبرًا أنها جاءت استجابة لما وصفه بـ«معايير الجوائز»، قبل أن يذهب إلى حد اتهام المخرج بـ«تدنيس» ملحمة هوميروس من أجل إرضاء توجهات هوليوود المعاصرة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها ماسك الفيلم، إذ بدأ انتقاداته منذ الإعلان عن طاقم العمل قبل أشهر، قبل أن تتصاعد الحملة مع صدور التريلر النهائي.
في المقابل، رفض كريستوفر نولان منح تلك الانتقادات أهمية كبيرة، مؤكدًا، في تصريحات لصحيفة «ذا تيليغراف»، أن مثل هذه الحملات أصبحت جزءًا طبيعيًا من التعامل مع الأعمال الضخمة المقتبسة من نصوص كلاسيكية.
وقال إن «النقاشات التي تسبق مشاهدة الفيلم لا تحمل قيمة حقيقية، لأن أحدًا لا يعرف العمل قبل رؤيته»، مضيفًا أن تجربته السابقة مع ثلاثية «باتمان» أثبتت أن كثيرًا من الأحكام المسبقة تتغير بعد العرض، وأن هدفه كان تقديم معالجة صادقة للنص الأصلي، لا نسخة حرفية منه.
ورغم الضجة الرقمية، لا تبدو المؤشرات التجارية متأثرة حتى الآن. فقد شهدت عروض الافتتاح وحجوزات التذاكر المبكرة إقبالًا كبيرًا في عدد من الأسواق، بينما جاءت الانطباعات الأولى من النقاد بعد العرض العالمي في لندن إيجابية للغاية، إذ أشادت بالطابع الملحمي للفيلم، وتصويره العملي، وأداء مات ديمون، معتبرة أن العمل قد يكون أحد أبرز المنافسين في موسم الجوائز المقبل.
ويستعد الفيلم للانطلاق عالميًا في 17 يوليو، بعد جولة عروض أولى شملت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، قبل انتقال فريق العمل إلى مومباي ضمن الحملة الترويجية الدولية، ليبقى السؤال مطروحًا: هل يتحول الغضب الإلكتروني إلى مقاطعة فعلية في شباك التذاكر، أم يكرر نولان عادته في تحويل الجدل إلى نجاح سينمائي جديد؟
