كان ـ خاص «سينماتوغراف»
بعد غياب دام قرابة عقد كامل منذ فيلمه المرعب والاستثنائي “العويل”، يعود المخرج الكوري الجنوبي نا هونغ جين إلى مسابقة كان السينمائي 79 بفيلم “الأمل” (Hope)، وهو عمل هجين ومتفجر يجمع بين الخيال العلمي والرعب والكوميديا السوداء وأفلام المطاردات والحركة، في تجربة سينمائية جامحة تكاد لا تمنح المشاهد فرصة لالتقاط أنفاسه.
والنتيجة ليست فقط عودة قوية لأحد أكثر صناع السينما الكورية فرادة، بل أيضًا واحد من أكثر أفلام مهرجان كان إثارة ومتعة جماهيرية هذا العام.
منذ اللقطة الافتتاحية، يعلن نا هونغ جين نواياه بوضوح. الكاميرا تتجول فوق أنقاض قرية ساحلية قرب المنطقة الكورية المنزوعة السلاح، قبل أن تتوقف لثوانٍ عند لافتة كُتب عليها: “احموا الوطن من التسلل”.
النكتة هنا ذكية وساخرة في آن واحد، لأن التسلل حدث بالفعل، لكن ليس بالشكل الذي يتوقعه أحد. فخلال دقائق فقط، تتحول البلدة الهادئة إلى ساحة فوضى دموية، تُقذف فيها السيارات والشاحنات في الهواء، وتُحطم المباني كما لو كانت من الورق، بينما تمتلئ الشوارع بالجثث والدماء.
هذا الافتتاح الصاخب يكشف فورًا عن أكبر نقاط قوة الفيلم، الثقة المطلقة في صناعة الترفيه السينمائي.
نا هونغ جين يدرك تمامًا كيف يجذب انتباه المشاهد منذ اللحظة الأولى، مستخدمًا حركة كاميرا ديناميكية، وتصميم صوت هائل، وإيقاعًا لا يهدأ، إلى جانب حس بصري مذهل يجعل كل مشهد يبدو وكأنه انفجار سينمائي قائم بذاته.
تدور الأحداث حول بوم سيوك، قائد شرطة ميناء “الأمل”، الذي يؤديه هوانغ جونغ مين بحضور يجمع بين الصرامة والإنسانية الساخرة.
يبدأ التحقيق مع العثور على ثور ممزق بشكل وحشي وسط الطريق، بينما يصر بعض الصيادين المحليين على أن نمرًا هاربًا من سيبيريا هو المسؤول. لكن سرعان ما يتضح أن الأمر أكثر غرابة ورعبًا بكثير مما يتخيل الجميع.
نا هونغ جين يبني التوتر بذكاء قبل أن يكشف أوراقه تدريجيًا. الفيلم يتأخر عمدًا في إظهار الوحش الحقيقي، مستثمرًا الغموض والخوف من المجهول، قبل أن يتحول فجأة إلى مطاردة جهنمية مليئة بالمخلوقات العنيفة والانفجارات والمواجهات الضخمة.
وعندما يظهر الوحش أخيرًا، تصبح “الأمل” تجربة أقرب إلى أفلام الخيال العلمي الكلاسيكية، لكن بروح كورية فوضوية ومجنونة.
ورغم كثافة الرعب والحركة، يحتفظ الفيلم بروح ساخرة ومضحكة بشكل مفاجئ. الكوميديا هنا ليست استراحة مؤقتة، بل جزء أساسي من هوية العمل.
شخصيات الفيلم تتعامل مع الكارثة أحيانًا بعبثية شديدة، خصوصًا الشرطية سونغ آي، التي تقدمها هويون — نجمة “Squid Game” — بأداء مفعم بالطاقة والفوضى والكاريزما.
شخصيتها تتحول سريعًا إلى واحدة من أبرز مفاجآت الفيلم، خصوصًا مع حواراتها الساخرة وطريقتها المجنونة في إطلاق النار وقيادة السيارات خلال المطاردات.
هويون تبدو وكأنها ولدت لهذا النوع من الأدوار. فهي تجمع بين الحس الكوميدي وخفة الحركة والشراسة، بينما يمنحها السيناريو عددًا كبيرًا من اللحظات التي تسرق فيها الأضواء بالكامل. وحتى في أكثر مشاهد الفيلم جنونًا، تظل قادرة على الحفاظ على حس إنساني وعفوي يجعل الشخصية محبوبة بشدة.
أما هوانغ جونغ مين، فيقدم أداءً مختلفًا عن أبطال الحركة التقليديين. بوم سيوك ليس بطلاً خارقًا، بل رجل مرتبك وخائف أحيانًا، يحاول فقط النجاة وفهم ما يحدث حوله. هذه الهشاشة تمنح الفيلم قلبًا إنسانيًا وسط كل هذا الدمار والفوضى.
الفيلم يمتد لساعتين وأربعين دقيقة، وهي مدة قد تبدو مرهقة نظريًا، لكن “الأمل” نادرًا ما يفقد إيقاعه. كلما بدأ التوتر بالهدوء، يفاجئك نا هونغ جين بمشهد مطاردة جديد، أو انفجار بصري، أو لحظة كوميدية غريبة، أو حتى تحول مفاجئ نحو الرعب الخالص. الفيلم يتحرك باستمرار بين الأنواع السينمائية المختلفة دون أن يفقد تماسكه.
ويحتفظ نا هونغ جين بورقته الأكبر حتى المراحل المتأخرة من الفيلم، مع الظهور المفاجئ لكل من أليسيا فيكاندر ومايكل فاسبندر في أدوار محورية ترتبط بالخلفية الغامضة للمخلوقات وأصل الكارثة.
ظهور الثنائي، الذي يجتمع سينمائيًا للمرة الأولى منذ سنوات، يمنح النصف الأخير من الفيلم بعدًا عالميًا أوسع، ويضيف طبقة من الغموض والتشويق، خصوصًا مع الإيحاء الواضح بأن الأحداث قد تكون مقدمة لعالم أكبر أو جزء ثانٍ محتمل.
على المستوى البصري، يقدم مدير التصوير هونغ كيونغ بيو — المعروف بعمله في “طفيلي” — واحدًا من أفضل أعماله. الكاميرا تتحرك بطاقة مذهلة، متنقلة بين المطاردات والانفجارات والمشاهد الليلية والقتال داخل الغابات، من دون الوقوع في فوضى التصوير اليدوي المزعجة التي تعاني منها كثير من أفلام الحركة الحديثة، فكل مشهد مصمم بعناية، وكل حركة تبدو واضحة ومقروءة رغم الفوضى الهائلة داخل الكادر.
ويلعب المونتاج بدوره دورًا أساسيًا في نجاح الفيلم، إذ ينجح كيم سونمين في الحفاظ على تدفق سلس بين مشاهد الحوار والرعب والحركة والكوميديا، بينما تأتي موسيقى مايكل أبيلز — مؤلف موسيقى “Get Out” و“Nope” — كعنصر حاسم في رفع مستوى التوتر والرهبة، قبل أن تتحول أحيانًا إلى نغمات حماسية تكاد تدفع المشاهد للتصفيق داخل القاعة.
أما المؤثرات البصرية وتصميم المخلوقات، فهما من أبرز مفاجآت الفيلم. صحيح أن بعض اللقطات تعتمد بوضوح على المؤثرات الحاسوبية، لكن التصميمات نفسها مبتكرة ومخيفة ومليئة بالتفاصيل، ما يمنح الكائنات حضورًا مرعبًا ومميزًا بعيدًا عن النماذج المستهلكة المعتادة.
والأهم أن “الأمل” لا يكتفي بكونه فيلم وحوش ضخمًا وممتعًا، بل يحمل أيضًا طبقة إنسانية واضحة عن الخوف الجماعي والحدود والعنف والجهل البشري. وحتى عنوان الفيلم نفسه لا تتضح دلالته الحقيقية إلا في اللحظات الأخيرة، عندما يكشف نا هونغ جين أن وسط كل هذا الخراب والفوضى، يبقى الأمل هو الشيء الوحيد الذي يتمسك به البشر للبقاء.
في النهاية، شكل الحضور المفاجئ لفاسبندر وفيكاندر إحدى أكثر لحظات الفيلم إثارة داخل القاعة، حيث تعامل الجمهور مع ظهورهما كتحول مفاجئ في حجم وطبيعة الحكاية، ونجح فيلم “الأمل” في تقديم تجربة سينمائية نادرة، عمل جماهيري ضخم ومجنون ومسلٍ، لكنه مصنوع بحرفية سينمائية عالية ورؤية إخراجية واضحة.
إنه مزيج صاخب من الرعب والخيال العلمي والكوميديا والحركة، يؤكد أن نا هونغ جين لم يفقد لمساته أبدًا، بل عاد بفيلم يبدو وكأنه يريد ابتلاع الشاشة بالكامل.
