إسماعيل ياسين .. «الضحكة» التي هزمت «الزمن»

الحاضر سينمائياً بعد 54 عامًا من رحيله

«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل

بعد 54 عامًا على رحيل إسماعيل ياسين، لا يزال حضوره حيًا بصورة يصعب تفسيرها بمنطق الزمن وحده.

فالرجل الذي قدّمه البعض باعتباره مجرد «مهرج سينمائي» أو نجمًا لأفلام خفيفة وسريعة، تحوّل مع الأجيال الجديدة إلى أحد أكثر نجوم الكوميديا المصرية رسوخًا وانتشارًا، خصوصًا لدى الأطفال الذين يكتشفونه للمرة الأولى وكأنه معاصر لهم.

السبب الحقيقي وراء بقاء إسماعيل ياسين لا يتعلق فقط بخفة ظله أو ملامحه الاستثنائية، بل بطبيعة الكوميديا التي قدّمها.

فقد كان ينتمي إلى مدرسة تعتمد على الإنسان البسيط المهزوم، ذلك الرجل الذي يخاف، ويتلعثم، ويبالغ في ردود أفعاله، ويتورط دائمًا في عالم أكبر منه.

هذه الشخصية جعلته قريبًا من الجمهور بصورة عاطفية، لأن المشاهد لم يكن يرى «بطلاً خارقًا»، بل إنسانًا عاديًا يشبهه.

ورغم أن كثيرًا من النقاد في فترات سابقة تعاملوا مع أفلامه باعتبارها أعمالًا تجارية سطحية تعتمد على الإفيهات السريعة، فإن إعادة مشاهدة هذه الأفلام اليوم تكشف شيئًا مختلفًا.

أفلام مثل «إسماعيل ياسين في الأسطول» و«إسماعيل ياسين في الطيران» و«ابن حميدو» لم تكن مجرد استعراضات كوميدية، بل وثائق اجتماعية ترصد صورة الطبقة الشعبية المصرية بعد ثورة يوليو، حيث ظهرت أحلام الصعود الاجتماعي، وهيبة المؤسسة العسكرية، وصورة المواطن البسيط الذي يحاول النجاة داخل مجتمع متغير.

 كما أن الكوميديا عند إسماعيل ياسين لم تكن قائمة على السخرية من الآخرين بقدر ما كانت قائمة على السخرية من الذات.

كان دائمًا مستعدًا لتحويل نفسه إلى مادة للضحك، دون خوف من تشويه صورته كنجم، وهذه الجرأة تحديدًا منحت أفلامه طابعًا إنسانيًا نادرًا.

أما ارتباط الأطفال به عبر الأجيال، فيعود إلى عدة أسباب متداخلة. أولها أن أداءه كان بصريًا وحركيًا بصورة كبيرة، يعتمد على تعبيرات الوجه والصوت والجسد، وهي عناصر يفهمها الطفل فورًا حتى قبل أن يستوعب كل الحوار.

وثانيها أن عالمه السينمائي بسيط وواضح؛ الخير والشر فيه مكشوفان، والمواقف تتحرك بإيقاع مباشر لا يحتاج إلى تعقيد ذهني.

كذلك، تمتلك أفلامه براءة افتقدتها الكوميديا الحديثة. فلا توجد قسوة أو سوداوية أو عنف لفظي حاد، بل مساحة من اللعب والفوضى الخفيفة التي تمنح المشاهد شعورًا بالأمان والمتعة العائلية.

وأصبح النقاد المعاصرون أكثر إنصافًا تجاه تجربة إسماعيل ياسين، خصوصًا بعد تطور الدراسات النقدية التي أعادت تقييم السينما الشعبية بعيدًا عن التعالي الثقافي القديم.

فالكثير من الباحثين اليوم يرون أن نجاحه الاستثنائي لم يكن صدفة، بل نتيجة فهم عميق لإيقاع الجمهور المصري وطبيعة الضحك الشعبي.

وربما تكمن عبقرية إسماعيل ياسين الحقيقية في أنه لم يكن يحاول أن يبدو ذكيًا أو متفوقًا على جمهوره، بل كان يضحك معهم ومن نفسه في الوقت ذاته.

لذلك بقي حاضرًا في الذاكرة الجماعية، ليس كنجم كوميدي فقط، بل كوجه مألوف يمنح الناس شعورًا نادرًا بالبساطة والحنين.

Exit mobile version