ألفريد هتشكوك ملهماً.. من عبقرية «كمال الشيخ» إلى طموح «مروان حامد»

«سيد الرعب» وصانع الكوابيس في ذكرى رحيله الـ 46 ..

«سينماتوغراف» ـ أسـامة عسـل

في مثل هذا اليوم، التاسع والعشرين من أبريل، توقفت نبضات قلب الرجل الذي جعل الملايين يخشون الاستحمام خلف الستائر، ويراقبون الطيور بريبة، ويحذرون من الغرباء في القطارات.

تمر اليوم 46 عاماً على رحيل العبقري ألفريد هتشكوك (1899-1980)، المخرج الذي لم يكتفِ بصناعة الأفلام، بل أعاد صياغة لغة السينما وعلاقة المشاهد بالشاشة.

لم تكن أفلام هتشكوك مجرد حكايات بوليسية، بل كانت دراسات نفسية معقدة. آمن هتشكوك بأن “الجمهور يجب أن يعاني قدر الإمكان”، ليس ساديةً منه، بل رغبة في إشراكهم وجدانياً.

ومن خلال تقنيته الشهيرة “المكجافن” (MacGuffin) —وهي تلك الحيلة أو الغرض الذي يسعى وراءه الجميع دون أن يكون له قيمة حقيقية— استطاع أن يجر المشاهد إلى فخ التوتر الذي لا ينتهي.

ولا يمكن ذكر هتشكوك دون الوقوف عند محطة “Psycho” (1960). الفيلم الذي كسر فيه كل القواعد؛ قتل البطلة في منتصف العمل، وصوّر جريمة قتل بـ 78 لقطة في 45 ثانية فقط.

هذه “التقطيعات” السينمائية لم تكن مجرد تكنيك، بل كانت ثورة في المونتاج جعلت المشاهد يشعر بنصل السكين دون أن يراه يلامس الجسد.

أما بصمة هتشكوك الخاصة التي لاتُنسى، فهي الظهور الخاطف في معظم أفلامه، وهي “لمسة المعلم” التي تحولت إلى لعبة يبحث عنها الجمهور في كل عرض.

كان هذا الظهور يعكس نرجسية فنية محببة، وتأكيداً على أن المخرج هو “المؤلف الحقيقي” للعمل، وهو المنهج الذي تبنته فيما بعد مدرسة “سينما المؤلف” الفرنسية.

ترك هتشكوك خلفه إرثاً يدرس في الجامعات منها: فيلم Vertigo (1958) الذي اختير كأفضل عمل في تاريخ السينما ضمن بعض الاستفتاءات، متفوقاً على “المواطن كين”.

وفيلمThe Birds (1963) حيث حوّل الطبيعة من ملاذ إلى مصدر للرعب المطلق، بالإضافة إلى Rear Window (1954) الذي جسد فيه مفهوم “التلصص” السينمائي بأبهى صوره.

ورغم رحيله في لوس أنجلوس عام 1980، إلا أن هتشكوك لا يزال حاضراً في كل كادر تشويق يصوره مخرج شاب اليوم. فلقد علمنا هتشكوك أن الرعب الحقيقي ليس في الدماء، بل في “انتظار” وقوع الكارثة.

وفي ذكرى رحيله الـ 46، يبقى ألفريد هتشكوك “الرجل الذي عرف الكثير” عن خبايا النفس البشرية، وظل مخلصاً لمقولته الشهيرة: “السينما ليست شريحة من الحياة، بل هي قطعة من الكعك”.

ورغم عالمية هتشكوك في صناعة أفلام الغموض، إلا أن هناك بعض من المخرجين العرب الذين تأثروا بمدرسته، فمن “كمال الشيخ” إلى جيل المجددين لم يتوقف أثر هتشكوك عند حدود هوليوود، بل امتد ليلهم كبار المخرجين العرب الذين وجدوا في أسلوبه ضالتهم لتقديم سينما الغموض.

ويتربع على عرش المتأثرين به المخرج الكبير كمال الشيخ، الذي لُقب بـ “هتشكوك مصر”؛ حيث برع في توظيف التوتر النفسي وبناء الحبكة البوليسية في أفلام خالدة مثل “حياة أو موت” و”الرجل الذي فقد ظله”.

كما لم يسلم المخرج العالمي يوسف شاهين من سحر هتشكوك، وهو ما ظهر بوضوح في بداياته من خلال فيلم “باب الحديد”، خاصة في رسم شخصية “قناوي” والتوتر السيكولوجي الذي يغلف الفيلم.

وفي العصر الحديث، نجد أصداء هذه المدرسة في أعمال مخرجين مثل مروان حامد، الذي يعتمد في بناء أفلامه على عنصر المفاجأة والغموض التقني، معيداً صياغة قواعد “التشويق الهتشكوكي” بروح معاصرة تتماشى مع أدوات السينما الحديثة.

وهكذا يمكن القول، إن مشاهدة أفلام هتشكوك ليست مجرد تسلية، بل هي “قراءة” في كتاب فن التوجيه البصري، وفي ذكراه الـ 46، تبقى أفلامه هي “المختبر” الذي يتخرج منه كل من يريد أن يمتلك مفاتيح عقل وقلب المشاهد.

Exit mobile version