بيروت ـ خاص «سينماتوغراف»
تستعيد العاصمة اللبنانية بيروت عالم المخرج والممثل الفرنسي جاك تاتي، عبر دورة سينمائية تحتضنها سينما «متروبوليس» في مار مخايل، وتعرض خمسة من أبرز أفلامه في نسخ مرممة، ضمن احتفالات الذكرى الثلاثين لمهرجان الفيلم الأوروبي في لبنان.
وتمتد العروض إلى 25 أغسطس الجاري 2026، لتعيد إلى الشاشة الكبيرة مشروعاً سينمائياً نادراً، ظل مشغولاً بأسئلة الحداثة والعمران والتكنولوجيا، وبالإنسان الذي يجد نفسه غريباً داخل عالم صنعه بنفسه.
وتضم الدورة أفلام «يوم العيد» (1949)، و«عطلة مسيو هولو» (1953)، و«وقت اللعب» (1967)، و«عمي» (1958)، و«ترافيك» (1971)، وهي أعمال تمتد لأكثر من عقدين، وتكشف، عند مشاهدتها متتابعة، تطور مشروع تاتي من الكوميديا القائمة على مراقبة التفاصيل اليومية، إلى بناء رؤية سينمائية شاملة تنتقد تحولات المجتمع الصناعي من دون خطابة أو مباشرة.
** من الجسد الكوميدي إلى هندسة الصورة
بدأ تاتي مشروعه من الجسد. فخبرته في الأداء الكوميدي جعلته يدرك أن الحركة قادرة على إنتاج المعنى قبل الحوار، وأن الجسد يمكن أن يتحول إلى لغة قائمة بذاتها. في «يوم العيد»، لا يزال العالم قريباً من الكوميديا التقليدية، حيث يتولد الضحك من شخصية ساعي البريد ومن محاولاته التكيف مع إيقاع السرعة والتنظيم.
لكن البذرة الأهم في الفيلم تكمن في ذلك الصدام المبكر بين الإنسان البسيط ووعد الحداثة. فالسرعة التي يحاول البطل تقليدها لا تمنحه الكفاءة بقدر ما تكشف هشاشته. ومن هنا بدأت سينما تاتي في تحويل «التقدم» إلى سؤال ساخر، لا إلى إجابة جاهزة.
** «مسيو هولو».. الإنسان خارج النظام
ومع «عطلة مسيو هولو»، اكتملت ملامح الشخصية الأشهر في عالم تاتي. لم يكن «هولو» بطلاً بالمعنى التقليدي، ولا صاحب مهمة درامية واضحة، بل كان جسداً متعثراً يعبر الأمكنة ويكشف، بحضوره وحده، التناقضات الخفية في السلوك الاجتماعي.
تنبع عبقرية الشخصية من أنها لا تحارب العالم مباشرة، بل تبدو دائماً غير منسجمة معه. تدخل المكان فتتغير إيقاعاته، وتتحول التفاصيل العادية إلى فوضى صغيرة. وهكذا جعل تاتي من الكوميديا أداة لرصد المجتمع، حيث يصبح الضحك نتيجة لاختلال العلاقة بين الإنسان والقواعد التي تحكم حياته.
وقدمت سينما «متروبوليس» هذه الأعمال بوصفها فرصة لإعادة اكتشاف مخرج أعاد تعريف الكوميديا السينمائية من خلال عناية استثنائية بالكادر والصوت والإيقاع والحركة، وهي عناصر بقيت جوهرية في مشروعه حتى أعماله الأخيرة.
** «عمي».. حين تصبح التكنولوجيا قيداً
يمثل «عمي» محطة أكثر وضوحاً في نقد تاتي للحداثة الاستعراضية. ففي مقابل الحي القديم، المليء بالحركة العفوية والعلاقات الإنسانية، يقف المنزل الحديث بوصفه آلة دقيقة تحكمها الأزرار والأنظمة والوظائف.
ولا يرفض تاتي التكنولوجيا في ذاتها، لكنه يسخر من الإنسان حين يتحول إلى خادم لها. فالمشكلة ليست في الآلة، بل في المجتمع الذي يمنحها سلطة تنظيم حياته وعلاقاته. وفي هذا العالم، يبدو «هولو» غير عملي، لكنه أكثر إنسانية من الشخصيات التي نجحت في التكيف مع النظام الحديث.
وتكشف هذه الثنائية أحد أهم مفاتيح مشروع تاتي: التقدم لا يعني بالضرورة أن يصبح العالم أكثر راحة أو حرية، وقد تنتج الحداثة أشكالاً جديدة من العزلة والامتثال. ويُنظر إلى «عمي» بوصفه أحد أكثر أفلامه وضوحاً في تسجيل تحولات التصميم والعمارة والمجتمع الاستهلاكي بعد الحرب.
** «وقت اللعب».. المدينة بطلة الفيلم
بلغ مشروع تاتي ذروته البصرية والفكرية في «وقت اللعب»، أحد أكثر أفلامه طموحاً. هنا لم تعد الشخصية هي مركز الصورة، بل أصبحت المدينة نفسها بطلة الفيلم. تتسع الكادرات، وتزدحم بالشخصيات والتفاصيل، فيما يُطلب من المشاهد أن يبحث بنفسه عن الحدث والضحكة داخل المشهد.
كان ذلك تحولاً جذرياً في طريقة بناء الكوميديا. فبدلاً من توجيه عين المتفرج إلى نكتة محددة، يمنحه تاتي حرية التجول داخل الصورة. وقد تقع المفارقة في طرف الكادر، أو في الخلفية، أو في تزامن حركتين لا تبدوان مرتبطتين.
إنها سينما تجعل المشاهدة عملاً نشطاً، وتحوّل المكان إلى شبكة من القصص المتجاورة. ولهذا ظل «وقت اللعب» عملاً متقدماً على زمنه، خصوصاً في نقده لمدن تتشابه عمارتها وواجهاتها الزجاجية، حتى تفقد ملامحها المحلية وتتحول إلى فضاءات بلا هوية.
وتؤكد البرمجة البيروتية أهمية مشاهدة هذا الفيلم على الشاشة الكبيرة، إذ تتطلب هندسته البصرية وكثافة تفاصيله مساحة عرض تسمح باكتشاف طبقاته المتعددة. وسبق عرضه في 17 أغسطس تجربة الفيلم القصير «افتح الباب، من فضلك» للمخرجين جوانا حاجي توما وخليل جريج.
** الصوت لغة ثانية في سينما تاتي
لا يمكن فهم تجربة تاتي من خلال الصورة وحدها. فقد جعل من الصوت عنصراً درامياً وكوميدياً مستقلاً، بعيداً عن وظيفته التقليدية في شرح الأحداث. أصوات الأبواب والخطوات والمحركات والأجهزة ليست خلفية للمشهد، بل شخصيات خفية تشارك في صناعته.
وفي عالمه، قد يبدو الحوار أقل أهمية من صوت كرسي يتحرك أو باب يغلق أو آلة تعمل. وكان هذا الاقتصاد في الكلام يمنح أفلامه طابعاً عالمياً، ويجعل الكوميديا قابلة للعبور بين الثقافات.
فالصوت لدى تاتي لا يشرح ما نراه، بل قد يناقضه أو يكشف معناه الساخر. ومن خلال هذا البناء الدقيق، تتحول الحياة الحديثة إلى أوركسترا مضطربة، يختلط فيها الإنسان بالآلات حتى يصعب أحياناً تمييز إيقاع أحدهما عن الآخر.
** «ترافيك».. الرحلة الأخيرة مع عصر السرعة
يأتي «ترافيك» بوصفه خلاصة ساخرة لمسار طويل في مراقبة مجتمع السرعة. فالعالم الذي بدأ تاتي بمراقبته في «يوم العيد» صار أكثر تعقيداً، وتحولت السيارة من رمز للتقدم إلى مركز لطقوس جديدة من التعطيل والانتظار والاستهلاك.
وفي الفيلم الأخير من بين الأعمال المعروضة في بيروت، يبدو «مسيو هولو» وكأنه يعبر منظومة كاملة لا يستطيع السيطرة عليها. الطرق والسيارات والمعارض والحدود ليست مجرد خلفيات، بل أجزاء من آلة ضخمة تفرض إيقاعها على الجميع.
وبين «يوم العيد» و«ترافيك»، يمكن قراءة المشروع السينمائي لتاتي بوصفه رحلة طويلة في تتبع تحولات الإنسان داخل القرن العشرين، من القرية إلى المدينة، ومن الدراجة إلى السيارة، ومن العلاقات العفوية إلى التنظيم الصارم، ومن المكان ذي الملامح الخاصة إلى الفضاء الموحد.
** بيروت تلتقي بذاكرة تاتي
لا تبدو عودة تاتي إلى شاشات بيروت مجرد استعادة تاريخية. فالعروض تأتي أيضاً في مدينة سبق للمخرج أن زارها عام 1972، حين قدّم بعض أعماله في لبنان وأجرى لقاءً صحافياً في فندق «سان جورج»، ما يضفي على الدورة الحالية بعداً من التواصل بين ذاكرة السينما وذاكرة المدينة.
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تبدو أسئلة تاتي أكثر راهنية من أي وقت مضى، ماذا يحدث حين تصبح الكفاءة أهم من التواصل؟، وماذا نخسر حين تتشابه المدن؟، وهل يقودنا التقدم دائماً إلى حياة أكثر إنسانية؟.
لهذا، فإن دورة «أفلام جاك تاتي» في بيروت لا تقدم مجرد خمسة أفلام كلاسيكية، بل تستعيد مشروعاً سينمائياً ما زال يقرأ الحاضر بحدة لافتة.
فخلف الضحكات الصامتة والمواقف العابثة، يقف مخرج جعل من الكوميديا وسيلة للتفكير، ومن التفاصيل الصغيرة مرآة لتحولات كبرى.
وتختتم الدورة في الغد 25 أغسطس بعرض «ترافيك»، بعد رحلة تمنح جمهور بيروت فرصة لرؤية تطور مشروع تاتي من كوميديا الجسد إلى سينما الفضاء والصوت، ومن شخصية فردية متعثرة إلى عالم كامل يكشف، بابتسامته الساخرة، تناقضات الحداثة المستمرة.
